بعيدة، هذا الحمل هل يجزيها عن حملها الذي حملته لما كان في بطنها؟ يقول ابن أبي بردة:[سمعت أبي يحدث أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف بالبيت قد حمل أمه وراء ظهره يقول:
إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر
فقال: يا بن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: لا. ولا بزفرةٍ واحدة]إسناده صحيح. وفي رواية يقول: [الله أكبر! الله أكبر! ذو الجلال الأكبر! هل ترى جازيتها يا بن عمر؟! قال: لا. ولا بطلقة واحدة] فالأم عند الولادة لها طلقاتٌ، قال: [ولا بطلقة واحدة، ولكن أحسنت، والله يثيبك عن القليل كثيرًا] . هناك رجلان صالحان كانا في الطواف، فإذا أعرابيٌ معه أمه يحملها على ظهره، وهو يرتجز ويقول:
أنا لا أزال مطيتها لا أنفر ... ... وإذا الركائب ذعرت لا أذعر
وما حملتني ووضعتني ... ... أكثر لبيك اللهم لبيك
فقال أحدهم للآخر: تعال بنا ندخل في الطواف، لعلَّ الرحمة تنزل فتعمنا؛ لأجل هذا المشهد الذي رأياه. قالوا في تعريف بر الوالدة: حملها عند ضعفها، والإنسان قد يرى أحيانًا أبوابًا من الخير فيأتيها، ويغفل عن بر الوالدين، وربما يعاني الوالد والوالدة نفسيًا من غياب هذا الولد -ولو كان صالحًا- عنهما. وقد كان أمية رجل أدرك الجاهلية والإسلام، وله ابن اسمه كلاب، فاستعمل عمر كلابًا على الأيلة، وأرسله إلى هناك أميرًا عليها -كان رجلًا أمينًا صاحب دين، فاستعمله عمر- وهذا الرجل أمية اشتاق إلى الولد، فمن الحنين أنشد يقول:
لمن شيخان قد نشدا كلابًا ... ... كتاب الله لو عقل الكتابا
أناديه فيعرض في إباءٍ فلا ... ... وأبي كلابٍ ما أصابا
إذا سجعت حمامة بطين ... ... وادٍ إلى بيضاتها أدعو كلابا
تركت أباك مرعشةً يداه ... ... وأمك ما تصيغ لها شرابا
فإنك والتماس الأجر بعدي ... ... كباغي الماء يلتمس السرابا