ولما قصد الشافعي رحمه الله مالكًا في المدينة ، أخذ كتابًا معه من والي مكة إلى والي المدينة توصية، وجاء والي المدينة معه إلى مالك وهو متهيب، وهو يقول له: مالنا و لمالك ، الشافعي يريد من الوالي أن يذهب معه إلى مالك ليكون هذا من نوع التوصية، فلما قصدوا مالكًا ، تقدم رجلٌ فقرع الباب، فخرجت جارية سوداء، فقال لها الوالي: قولي لمولاك إني بالباب، قال: فدخلت فأبطأت ثم خرجت، فقالت: إن مولاي يقرئك السلام، ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب- هذا من عزة العلماء في ذلك الزمان- وإن كان للحديث- إن جئت لتسمع الحديث- فقد عرفت يوم المجلس فانصرف."اليوم المخصص للحديث أنت تعرفه. فقال لها: قولي له: إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، قال: فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ طويل مسنون اللحية -أي: طويل اللحية- فجلس وهو متطلس -لابس الطيلسان: كساء مدور لا أسفل له- فرفع إليه الوالي كتابًا، فبلغ إلى هذا: إن هذا رجلٌ من أمره وحاله، فتُحدثه وتفعل وتصنع، توصية للشافعي مكتوبة، فرمى مالك الكتاب من يده، ثم قال: سبحان الله! أو صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالوسائل؟! -أي: الوساطات- قال: فرأيت الوالي وقد تهيبه أن يكلمه، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله، إني رجل مطلبي، ومن حالي وقصتي، وأخبره، فلما سمع كلامي نظر إليّ ساعة، وكان عند مالك فراسة، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد، قال لي: يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، هذه من فراسة مالك رحمه الله تعالى، وفي رواية أنه قال له: إن الله عز وجل قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعاصي. وطلب الشافعي من مالك أن يقرأ عليه، قال له: لابد لك من مقرئ، لا تقرأ مباشرة على الشيخ، تقرأ على تلميذ الشيخ الذي ضبط كتاب الشيخ، فقال الشافعي -التمس من مالك - قال: اسمع مني ولو"