وأريد أنْ أعرف كيف كان يجتمع لأبي هريرة أنْ يأكل عند معاوية، ويصلِّي مع عَلِيٍّ، وقد كان أحدهما في العراق والآخر في الشام، أو أحدهما في المدينة والآخر في الشام إلاَّ أنْ يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب، إذن لاتَّهَمَهُ أحد الفريقين بالنفاق والتَجَسُّسِ. وإنما هذا كلام قيل في بعض الكتب وكان يجب على الأستاذ المؤلف أنْ يتحقَّق منه قبل أنْ يثبته.
فهذا أيسر ما يجب على العلماء.
وبعد ... فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أنَّ الأحاديث التي يرويها الأفراد والآحاد كما يقول المُحَدِّثُونَ لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن وحده ومن أجل ذلك لا يستدل المسلميون بهذه الأحاديث على أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحيانًا على الأحكام الفرعية في الفقه، وعلى فضائل الأعمال ويستعان بها على الترغيب في الخير والتخويف من الشر. وكل هذه الأحاديث التي اعتمد عليها المؤلف في المواضع التي ضربنا لها الأمثال إنما هي أحاديث رواها الأفراد والآحاد فهي لا تفيد قطعًا ولا يقينًا، فما باله يرغب عن الإفراط في الثقة بهذه الأحاديث، ثم يستدل بها هو ليتهم الناس بأشياء لا سبيل له إلى إثباتها.
وملاحظة أخيرة أختم بها هذا الحديث الذي أراه على طوله موجزًا، وهي أنَّ المؤلف قد أخذ في كتابه وهو مؤمن فيما يظهر بأنه لن يظفر برضا الناس عنه ولن يظفر برضا فريق من رجال الدين خاصة، فعرَّض بهم أحيانًا، واشتدَّ عليهم أحيانًا أخرى، ووصفهم بالجمود حينًا وبالتقليد حينًا، وبالحشوية أحيانًا، فأغرى هؤلاء الناس بنفسه وسلطهم على كتابه، وخيَّل إليهم أنه يبغضهم، ولا يراهم أهلًا للبحث القيِّم، والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم، ولو أنه صبر حتى يخرج كتابه ويقرأه الناس، ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا الصبر خيرًا له وأبقى عليه.
ويثني على جهوده بكلمات معدودة ثم يقول: «ولا بأس عليه من هذه