استعمالها عندهم، نحو مهندز؛ بالزاي بعد الدال؛ ولذا عربوها من الفارسي إلى: مهندس؛ بالسين.
وعلة هذه الكراهة لتلك الأمور أنهم يتوافقون مع قوانين البديهة والحسّ والعلوم الطبيعية؛ جمعًا وتوزيعًا وتحريكًا وتسكينًا.
وأحسب أن للتأليف الصوتي في آلة الكلمة في اللسان العربي نظامًا وحراكًا وخصوبة وتوالدًا لا تراها في غيرها من آلات كلمات الألسنة الأخرى.
وبيان ذلك بإيجاز: أن هذه الكلمة تتألف من مقاطع ثابتة ومرنة معًا، وهي الأحرف الصحاح الثابتة في بنية الكلمة، وتدور حول الأحرف الصحاح الأحرفُ العليلة وأبعاضها، في تأويب تجري فيه الحركات إلى مستقر لها؛ البدء بمتحرك والوقف بالسكون؛ دورانَ الجسيمات في الذرة والكواكب في المجرة، ودوران كل شيء بحسبه!، ولا يصحّ أن تحذف تلك الأحرف الصحاح التي عليها المدار بحال، أو أن تضطرب، أو تنشز، أو تقتصد، أو تعوجّ، إلا ترخيمًا كيا سُعا، أو تخفيفًا كيَدٍ، وذلك نادر لا يقاس عليه؛ بخلاف العليلة التي تحذف وتبدل وتتغير.
ويأتي الإعراب في أواخر المعربات والتحريكُ في أواخر المبنيات الساكنات = ليجعل التقاطيع والتخاليف فيها مفتوحة مسترسلة مرتّلة، إلا في حالات الوقف (المقطع المغلق) ، وليؤلف من الكلم ما يجعله في نظم صوتي واحد، كتغريدات عصفور متتابعة أو سجعات حمامة، أو كخطوات منتظمة، أو قطرات متتابعة.
وترى بدائع من ذلك التأليف الصوتي الحكيم = في علم العرب وديوانهم، الذي ليس لهم علم أصحُّ منه، وهو توقيع أبيات الشعر؛ على أوزانه الستة عشر؛ في عد الخليل وتكميل الأخفش، وأصواته المائة كما ذكر الأصفهاني في الأغاني.
ويفهم هذا في قوله تعالى: (ورتلناه ترتيلًا) ، ووصف نطق النبيء عليه الصلاة والسلام أن فيه ترسيلًا وترتيلًا؛ بجامع تتابع نظام الأصوات، وتتابع نظام الكلمات والآيات، وتتابع نظام المعاني والعبر.
وقد تكون العبرية أقرب في هذا النظام إلى العربية؛ كلاهما ساميّ، ولكنك ترى فيها، زيادة على النظام التشكيلي للحروف، نبرَ بعض المقاطع (النبر: إبراز نطق حرف بكلفة دون غيره، وهو من سمات ذوات المقاطع الجامدة كالصينية) ، بل ترى له قواعد تصريفية ووظائف معنوية فارقة، وترى توالي ساكنين صحيحين، بقلقلة الأول، وأن كلّ الحروف قابلة للقلقلة (يسمونه: السكون المتحرك) إذا ابتدئت بها صدور المقاطع، وترى شَدّتها خفيفة حينًا مع أحرف وثقيلة في أحوال أخرى، و لا تشدد أحرف الحلق ولا تسكن، وقد يقولون شدة مقدرة أي غير ظاهرة!.
إن كثرة الأصوات في اللسان الإنساني ككثرة المعادن في الكون، وفقر لسان من بعضها كأنما هو فقر في خامات التصنيع، وأنواع البذور، وأجناس الأحياء وأوتار الأصوات، ونقصان أصوات من بعض الألسنة أو اختلاطها ببعضها أو ضعف نطق بعضها .. قد أضر بها ضررًا لا ينكره أهلها ..
وقد وصل البحث اللغوي الحديث إلى أن لكل صوت من أصوات اللسان الإنساني موقعه في رقعة اللغة، وزوال جزء منها مؤذن بزوال جميعها ولو بعد حين.
وتعمد ألسنة كثيرة إلى أمور أخرى غير الأصوات الطبيعية في التعبير عن مراداتها، ومنها التنغيم والتقطيع والنبر والتحزين والحركات الجسدية والإيحاءات والإشارات والرفرفة والحومان والتقليد وغيرها، مما لا يستطيع أحد تسطيره في كتاب. وما ذلك الذي يصنعه أهلها إلا من قبيل جبر ما بها من كسر ورتق الفتق وسد الخلل وتعويض الضائع ..
... فعلى ماذا يدل هذا؟!! ..
سبحان من أنزل بها كتابه الحكيم، وجعلها في أحسن تقويم وصراط مستقيم وفضل كريم، فأنهلها وأعلّها، وأدقها وأجلّها، وأكثرها وأقلها، وأثّلها وأبلّها.
[يتبع .. ثانيًا: نحو الكلمة]
ـ [عصام المجريسي] ــــــــ [11 Oct 2010, 01:19 ص] ـ
ثانيًا: نحو الكلمة
هذا هو النحو الثاني من أنحاء العربية الأربعة التي سبق إجمالها في الجزء الأول، وهو نحوٌ نريد أن نجعله محل موازنة ثانية بين اللسان العربي وغيره من الألسنة.
إذا نحونا هذا النحو؛ نحوَ الكلمة، الناشئ من تأليف الأصوات الذي سبق ذكره في نحو الصوت المذكور آنفًا = فسيوقفنا على بابة من علم اللسان، توصل إلى البيان من جهتيه جميعًا: اللفظية والمعنوية، وتكتنفه من مقصديه معًا: الإبانة والاستبانة.
تعريف
(يُتْبَعُ)