وقال تعالى:"والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة"ولم يقل سبحانه: والذين آمنوا. لماذا؟
قيل: لأجل أن بني إسرائيل هم يدعون الإيمان لأنفسهم، فجاء لهم لفظ لا يُمكن أن يدعوه.
وقيل: آثر التعبير بالتقوى للإشعار بعلية الحكم.
وفي قوله سبحانه:"يرزق مَن يشاء بغير حساب"الإيماء إلى أن مقدورات الله غير متناهية.
وفي قوله سبحانه:"بغير حساب"إشارة إلى أن كل ما أعطاه فقد أعطاه بمحض الفضل والإحسان لا بسبب الاستحقاق، وهو تفضل وتكرم لا غير.
وفي قوله سبحانه:"بغير حساب"إشارة إلى أن الرزق قد يكون له سبب ظاهر، وقد لا يكون له سبب، وأن الأمر في الحقيقة مرده كله إلى الله.
وقال الله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مُبشرين ومُنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلاّ الذين أُتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
وفي قوله سبحانه:"فبعث الله"إشارة إلى كلام محذوف مقدر، يعني: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، فبعث الله النبيين.
كيف فُهم؟ هذا ومن أين؟
الفاء في قوله:"فبعث"تقتضي ذلك، تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف. لو كانوا قبل ذلك أمة واحدة - كما يدل عليه اللفظ من غير تقدير لكان بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى وأحق؛ لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقًا وبعضهم مبطلًا، فلأنْ يُبعثوا حين ما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى.
ويؤيده قوله تعالى:"وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"هو تأييد وتأكيد إلى وقوع الاختلاف قبل البعث.
وفي قوله سبحانه:"ليحكم"التنصيص على علة إنزال الكتاب، أي أن الله تعالى أنزل الكتاب من أجل أن يحكم بين الناس، لم ينزل الكتاب ليُركن ويُعلق أو تُغطى به الجدر أو حتى ليُعتنى به ويُرتل فقط.
نصت الآية على أن الكتاب أُنزل ليحكم.
أسند الضمير في"ليحكم"إلى الكتاب. لماذا؟ ليدل على أن الحاكم على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله سبحانه:"ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"إشارة بليغة إلى أن وحدة الأمة لا تكون إلاّ عن طريق إثبات الحق، ويُقدم حكم الكتاب على كل حكم.
وفي قوله سبحانه:"ليحكم بين الناس"الرد على كل مَن أخر حكم الكتاب.
وفي قوله سبحانه:"معهم"إيذان بالمصاحبة على جهة التأييد والنصر.
هي أن الكتاب يحصل به النصرة والتأييد كما في قوله تعالى لموسى وهارون:"إنني معكما أسمع وأرى"وقال هنا:"أنزل معهم الكتاب".
وقال تعالى:"فهدى الله"ولم يقل: ثم هدى الله. قيل: لأن للإيذان سرعة اهتداء المؤمنين في مواطن الاختلاف، وفيه التنبيه إلى عظم تدارك رحمة الله بهم.
وقال سبحانه:"فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق"ولم يقل: فهدى الله الذين آمنوا إلى الحق فيما اختلفوا فيه، بمعنى: لماذا قدم لفظ الاختلاف؟
قال أهل التفسير: قدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق للاهتمام به، إذ القضية المعتنى بها هنا هي قصة الاختلاف، كما في قوله سبحانه:"لم يكن له كفوًا أحد"قدم كفء على أحد بنفي الكفء والمثيل والنظير عن الله.
وقال سبحانه:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقولَ الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب".
قال تعالى:"ولمّا يأتكم"ولم يقل: ولم يأتكم؟!
قال كثير من المفسرين: (لمّا) هي مثل (لم) للنفي و (ما) زائدة!
هل هذا صحيح؟ الجواب: لا. ليس في القرآن حرف زائد، ولله في كتابه وألفاظ القرآن مقاصد.
(ما) ليست زائدة؛ (لمّا) تقع في مواضع لا تقع فيها (لم) .
(لمّا) لما على التوقع، إذا قال القائل: لم يأتني زيد. فهو نفي لقولك: أتاك زيد؟
وإذا قال: (لمّا) يأتيني. فمعناه: لم يأتِ بعد وأنا أتوقعه.
وقال تعالى:"لمّا يأتكم مَثَل الذين خلوا"ولم يقل سبحانه: مِثْل.
قال أهل البيان: إن لفظ (المَثل) فيه معنى المثلية، ولكن زيادة معنى الروعة والتعجب.
وقال سبحانه:"مستهم الضراء"لفظ (مستهم) تدل على تحقق وقوع الضر وبلوغه كل مبلغ.
وقال:"وزلزلوا"وفيه إيحاء بحقيقة الزلزلة، أعني: أن لفظ (زلزلوا) يوحي لنا عند نطقه بصورة الزلزلة وواقعية معناها .. وهذا من خصائص هذه اللغة ومن عجائب القرآن.
"زلزلوا"يُشير إلى معنى الزلزلة، وهو الوقوع المتكرر المتخالف. لفظ (الزلزلة) يعني: تحرك الجسم من مكانه بشدة والتضعيف فيه (زل زل) يدل على تكرار الفعل، يعني: تكرار الوقوع.
مثل لفظ (كُبكِبوا) يوحي هذا اللفظ بحقيقة معناه، نطقه يصور لنا واقعية المعنى وكيفية وقوع الحدث.
ونختم هذا الحديث بجملة مناسبة للعالم ابن المنيّر - رحمه الله - يقول: فتنبه لهذا السر فإنه بديع، لا تجده يراعى إلاّ في الكتاب العزيز؛ لاشتماله على أسرار البلاغة، ونكت الفصاحة، ولا يُستفاد منه إلاّ بالتنقيب في صياغة البيان، وعلم اللسان.
والله تعالى أعلم