ثم قال سبحانه:"وإلهكم إله واحد"جاءت هذه الآية بعد التحذير الشديد من كتم العلم والحق والهدى، قال الشوكاني رحمه الله: فيها الإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.
وقوله تعالى:"وإلهكم إله واحد"عقبه بقوله:"لا إله إلا هو"للتأكيد والتقوية، ونفي الاحترازات الموهمة، قال الرازي: لما قال:"وإلهكم إله واحد"أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا! فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المعلق فقال:"لا إله إلا هو".
وختم الآية بقوله:"الرحمن الرحيم"ليُعلم أن الألوهية الربانية ألوهية رحمة، وأن رحمته سبحانه تسبق عقابه.
الحلقة الرابعة والعشرون:
في قوله تعالى:"إن في خلق السموات والأرض"أعظم دليل على تحقيق معاني التوحيد التي ذكرها الله تعالى في الآية التي قبلها:"وإلهكم إله واحد"قال العلماء: دلت الآية على استحقاق العبودية لله وحده على سبيل اللزوم العقلي.
فكما أنه سبحانه هو المُتفرد بالخلق والتدبير والإنشاء: فهو كذلك المُستحق للعبادة دون سواه، والمتفرد بالألوهية من غير شريك.
وفي قوله تعالى:"إن في خلق"الإشارة إلى أن الاعتبار واجب، وأن النظر لا يكون قاصرًا على المخلوق، بل يتعداه إلى الخلق نفسه والحكمة فيه.
ويتفرع عنه: النفي على أولئك القوم الذين لا يتعدون في نظرهم إلى صفات المخلوقين، والذين لا يتجاوزون بعلمهم ظواهر الحياة.
وفي الآية جواز النظر وجواز استعمال الأدلة العقلية الثابتة على الأوجه الصحيحة في الأمكنة المُناسبة.
وفي قوله تعالى:"السماوات والأرض"جَمَعَ لفظ (السماوات) ولم يجمع لفظ (الأرض) فلم يقل: أرضين، مع أنه ثبت تعدد الأرض كما ثبت تعدد السماوات!!
قيل: إن الأرض وإن تعددت: فهي عالم واحد، وأما السماوات فهي عوالم عظيمة مُختلفة مُتباينة.
وقيل: إن الأرض وإن تعددت: فإن طبقاتها غير مُتباينة ولا مُنفصلة وهي كالشيء الواحد، وأما السماوات فإنها مُتباينة جدًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة: أن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.
وفي قوله تعالى:"اختلاف الليل والنهار"نص على أن العبرة أعظم ما تكون الاختلاف بين الليل والنهار، وكأنه يُشير إلى أن هذا الاختلاف فيه سر، وقد ااكتُشف شيء من هذا السر: وهو أن الاختلاف من آثار دوران الأرض حول الشمس.
ومن إشارات اللفظ"اختلاف الليل والنهار"أنهما أعراض وأوصاف وليسا أجسامًا كثيفة كما كان يتصورها أهل الجاهلية القدماء.
وقوله تعالى:"والفلك التي تجري في البحر"استُدل به على جواز ركوب البحر مُطلقًا، سواء كان للتجارة أو للعبادة أو للجهاد أو لغير ذلك، وأن ركوبه ليس من الغرر، وليس فيه تعريض بالمُهج في جميع الأحوال.
وفي قوله تعالى:"بما ينفع الناس"الإشارة إلى تحقيق الانتفاع في ركوب الفلك التي تجري في البحر، وفيه إشارة إلى أن الشيء الذي يحصل به النفع تحصل به النعمة الإباحة، قال القرطبي -رحمه الله: قال بعض مَن طَعَن في الدين: إن الله تعالى يقول في كتابكم:"ما فرَّطنا في الكتاب من شيء"فأين ذكر الملح والفلفل وغير ذلك؟ !
فقيل له: في قوله تعالى:"بما ينفع الناس"..
وفي قوله تعالى:"وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض"دليل على أن الله جعل في الماء سبب إحياء الأرض، فهذا فيه إثبات الأسباب وتأثيرها بإذن الله تعالى، والرد على المُنكرين لها.
وفي الآية: إشارة إلى أن الماء النازل من السماء هو الذي يُنبت الزرع، وهو الذي يُحيي به الأرض بعد موتها، وأما الماء الذي في البحر ولم ينزل من السماء: فهو ماء ملح أُجاج، لا تَحيى به الأرض، وكأن ماء البحر إذا صعد إلى السماء وُضع فيه من المواد والصفات والخصائص ما يجعله حياة للأرض.
وفي قوله تعالى:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا"الإشارة إلى بطلان مُعتقدهم وفساد صنيعهم وهذا مُستفاد من لفظ (يتخذ) هنا، فغن الأنداد الحقة لا تُتَخذ ولا تُصنع، وإنما هي ثابتة بنفسها، وهذا في التعبير مثل قوله تعالى:"وقالوا اتخذ الله ولدًا".
وقال سبحانه:"من دون الله"ولم يقل: دون الله، يعني ما فائدة لفظ (من) ؟
(يُتْبَعُ)