ولو فُسر لفظٌ أو آيةٌ من القرآن بما يُخالف تفسير الصحابة وهديهم، لرددنا هذا التفسير، فلو قال قائل في قوله تعالى:"واذكر اسم ربك"أي قل: الله، الله، الله تعبدًا وتقربًا إلى الله، لحكمنا أن هذا التفسير باطل؛ لمخالفته الصريحة لفهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والصحابة، فلم يؤثر عنهم ذكرًا مُفردًا.
الشرط الرابع: إذا كان التفسير لم يُنقل عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولم تدل عليه اللغة صراحة، فإننا نذكر هذا التفسير غير جازمين بأنه مراد الله، فلا نقول: مراد الله كذا إلا باليقين، لكن نقول: من الفوائد كذا؛ لأن هذا مقتضى التدبر والتفكر والاجتهاد، أما مقام الجزم فهو مقام النقل والنص.
الشرط الخامس: أن يكون المتكلم في معنى الآية عالمًا أو ينقل عن العلماء. صحيحٌ أن كل شخص له أن يتدبر ويتفكر في كلام الله، بل هو مأمور بذلك؛ لأن الله تعالى قد أمر بذلك أمرًا عامًا، لم يستثنِ منه أحدًا، وهذا بلا شك من خصائص كلام الله المعجز، أن يفهمه كل شخص بقدر ما آتاه الله، فهذا مقام التدبر.
وأما مقام البيان للغير، والتفسير لكلام الله للناس، فهذا لابد فيه من أن يعلمه الشخص علمًا صحيحًا ثابتًا باتفاق العلماء.
وقد ذكر العلماء أنه يجب على المتكلم في الآيات، أن يكون عالمًا بأسباب النزول، وعارفًا بالناسخ والمنسوخ، وإلا وقع في الغلط. ذكر ابن تيمية - رحمه الله - في المنهاج وغيره:"أن عليًّا -رضي الله عنه- رأى رجلًا يقص في المسجد، وكأنه يتطرق لمعاني القرآن فقال له: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: إذًا أنت أبو اعرفوني، أي تريد الشهرة."
الحلقة الثالثة:
في هذه الحلقة نتناول الحديث عن الاستعاذة، أي الاستعاذة من الشيطان، وهي قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو قولك: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فأنت إذا قلت بأحد القولين فقد أصبت؛ لصحة وروده في السنة، وإن قلت هذا مرة وهذا مرة، فهذا أحسن؛ لأن التنويع في صيغ الذكر المشروع من كمال اقتدائك بفعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
لنسأل: هل الاستعاذة آية أم ليست آية من القرآن؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ليست آية بالاتفاق، لكن الله تعالى أمرنا إذا أردنا أن نقرأ القرآن أن نستعيذ، قال تعالى:"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"أي إذا أردت أن تقرأ القرآن، كما قال تعالى:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم"أي: إذا أردتم القيام للصلاة.
وبما أن لفظ الاستعاذة ليست آية، فلا يصح لك أن تقول: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بل تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تقرأ. أو تقول: قال الله تعالى، وتقرأ الآية مُباشرة، أما إذا قلت: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأنت نسبت إلى الله كلامًا لم يقله.
ومُلحظٌ آخر: إن هذا المعنى لا يصح، أي لا يصح أن تنسب الاستعاذة لله عز وجل، يعني أن الله لا يستعيذ من الشيطان الرجيم، ولا من غيره من المخلوقات، فالله هو ذو القوة المتين، والذي يستعيذ هو العبد الفقير، أما القوي القادر فلا يستعيذ، فلا يصح نسب الاستعاذة إلى الله تعالى بحال.
قال أهل اللغة: عاذ به يعوذ، أي لاذ به ولجأ إليه واعتصم، وعُذتُ بفلان واستعذتُ به أي: لجأت إليه.
وأعوذ بالله: أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني أو دنياي، أو أن يصدني عن فِعل ما أُمرتُ به، ويحضني على ما نُهيت عنه.
والشيطان هو إبليس؛ لأن (أل) هنا للعهد، أي ذلك المعهود لديكم، والشيطان مأخوذ من شَطَن أي بَعُد عن رحمة الله، والرجيم هو المرجوم، وهو المُبعد المهان الذليل، وهذا هو أصدق وصف يستحق أن يوصف به الشيطان، الذي عصى الله تعالى وخالف أمره عنادًا واستكبارًا.
بعد أن تبيّن لنا معنى الاستعاذة نقف عند بعض المعاني وبعض الحِكم المستنبطة من الاستعاذة، وهذا ليس من باب التفسير، ولكنه من باب الاعتبار ومن باب التدبير ومن باب تلمس الحِكم.
نبدأ بذكر فوائد الاستعاذة وحِكمها.
(يُتْبَعُ)