ويعد هاجرًا للقرآن من لم يؤمن بأن هذا القرآن كافٍ للمؤمنين لهدايتهم وتوحيد كلمتهم وإصلاح أوضاعهم وإحاطتهم بالرحمة وشمولهم بالمغفرة (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت: 51) .
ويعد هاجرًا للقرآن من لا يذكر ربه في القرآن وحده، أو الذي لا يسمع له ولا ينصت ولا يسجد إذا قرئ عليه ولا تزيده آياته إيمانًا ولا يخشع قلبه حين يسمعه أو يتلوه، ولا يجعل القرآن وبينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا.
ويعد هاجرًا للقرآن من لم يؤمن بأنَّ هذا القرآن قد قص على الأمم أكثر الذي كانوا فيه يختلفون فهو مرجع البشريَّة -كلّها- لحسم الاختلافات الأساسيَّة لا يمكن أن يكون المؤمنون على شيء حتى يقيموا القرآن ويتشبثوا بمنهجه ويؤمنوا بعصمته، وأنَّه الكتاب الذي أنزل (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: 6) ، وإنه لتذكرة للمتقين وذكر للعالمين (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص: 87 - 88) .
ويعد هاجرًا للقرآن من لم يتله حق تلاوته ويرتله حق ترتيله ويؤمن باشتماله على الذكر الإلهيّ -كلّه- وأنَّه لا نسخ فيه ولا تبديل يعتريه، وأنَّه كلمة الله تمت صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته. وأنَّ كل ما جاء به هو الحق وهو الأحسن تفسيرًا، وهو الأقوم في كل شيء.
ويعد هاجرًا للقرآن من لم يلتزم منهجه ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن به ويتَّبع سبيله ويتمسَّك بشرعته ومنهاجه، ويعتصم بسبيله وبحبله.
ويعد هاجرًا للقرآن من لا يجعله مرجعيّته في كل ما يأخذ وفي كل ما يدع وفي كل ما يحل وفي كل ما يحرم فهو الشرعة وهو المنهاج وهو الكافي الوافي في الأخلاق والسلوك ونظم الحياة وتحقيق العدل والأمانة.
* القرآن والإصلاح:
إنَّ الأمَّة المسلمة منذ بدأت حالة الهجر الجزئيّ للقرآن الكريم وتجاوزتها إلى مساحات من الهجر أوسع، تراجعت ففقدت وحدتها وعزتها وكرامتها في فترات كثيرة من التاريخ حتى بلغ التراجع غايته ومنتهاه. وفي عصرنا هذا قامت محاولات تجديدية وإصلاحيَّة كثيرة، بعضها حاولت تقليد الآخر وإتباع نهجه وسلوك سبيله، فما زادها ذلك إلا خبالًا وتشتّتًا وتراجعًا ومع سائر المحاولات التي يقوم الآخر بها لتعزيز هذا الاتجاه فإنَّ الأمَّة قد اقتنعت الاقتناع التام بفشله وعجزه عن تحقيق أي خير لها.
وهناك اتجاه ثانٍ قام على رد فعل للاتجاه الأول تبنَّى فكرة إعادة قراءة التراث وفكّر بعقليَّة سكونيَّة بأنَّ في مقدوره أن يعيد إنتاج التراث، وتحقيق سائر النتائج التي تحققت في الماضي. وفي هذا تجاهل للسنن التي وضعها الله لهذا الكون وأنَّ الحياة سائرة إلى غايتها وأن أيَّ مخلوق في هذا الوجود لن يستطيع إعادة لحظة مرت، أو إعادة إنتاج ما وقع فيها. وأن التفاعل الذي يجري بين الواقع والإنسان والزمان والمكان والأحداث التي تنتج عنها إنَّما هي أمور لا يمكن إعادتها بشخوصها أو إعادة إحيائها فالدنيا مزرعة للآخرة، والناس بآجالهم والعصر الذي ينقضي يأتي عصر غيره.
وكلا السبيلين يشتملان على هجر للقرآن الكريم، سواء أكان سبيل تقليد وإتباع باتجاه الجغرافيا، أو باتجاه إتِّباع التاريخ.
لكن السبيل الوحيد للإصلاح والتجديد يبدأ:
-بالخروج من هجران القرآن وإعادة قراءته وتلاوته حق التلاوة وترتيله حق الترتيل وتدبُّره وتحطيم أقفال القلوب به.
-واستخراج المقاصد القرآنيَّة وقراءته قراءة نبويَّة تتجلى فيها كليّات القرآن ومقاصده وقواعده.
-واتخاذه المصدر الأعظم لإعادة تشكيل الأمة، ومعالجة مشكلاتها، وإعادة بناء حياتها فكريًّا وثقافيًّا وعمرانيًّا وحضاريًّا،
لأنَّ القرآن بما اشتمل عليه وبأنَّه المحجة البيضاء والنبيّ المقيم والرسول الدائم هو الذي سيقودنا إلى الهدى ودين الحق. ويمكنّنا من إعادة البناء والقيام بمهمة الاستخلاف وتحقيق الوسطيَّة والنهوض بالشهادة على الناس.
(يُتْبَعُ)