عَدُوَّهُمْ فَيَسْتَبِيحُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْهُمْ هَلَاكُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَبْيُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بِالْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَغَلُظَتْ شَوْكَةُ الْكُفَّارِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَقَلُّهُ.
وَقِيلَ: سَبِيلًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَإِنْ وُجِدَ فَبِخِلَافِ الشَّرْعِ. وَقِيلَ: سَبِيلًا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ يَسْتَظْهِرُونَ بِهَا إِلَّا أَبْطَلَهَا وَدُحِضَتْ. وَقِيلَ: سَبِيلًا أَيْ ظُهُورًا قَالَهُ: الْكَلْبِيُّ.
وَيُحْمَلُ عَلَى الظُّهُورِ الدَّائِمِ الْكُلِّيِّ، فَيُؤَوَّلُ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَبِيحُونَ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَقَدَ ظَهَرُوا فِي مَوَاطِنَ كَأُحُدٍ قَبْلُ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْفَصَاحَةِ والبديع فنونا التَّجْنِيسِ الْمُغَايِرِ فِي: أَنْ يصالحا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وَفِي: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ، وَفِي: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا، وَفِي: كفروا وكفروا.
وَالتَّجْنِيسِ الْمُمَاثِلِ فِي: وَيَسْتَفْتُونَكَ ويفتيكم، وفي: صلحا والصلح، وفي: جامع وجميعا. وَالتَّكْرَارَ فِي: لَفْظِ النِّسَاءِ، وَفِي لَفْظِ يَتَامَى، وَالْيَتَامَى، وَرَسُولُهُ، وَلَفْظِ الْكِتَابِ، وَفِي آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، وَفِي الْمُنَافِقِينَ. وَالتَّشْبِيهِ فِي: كَالْمُعَلَّقَةِ. وَاللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ لِلضِّدَّيْنِ فِي: ترغبون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ. وَالِاسْتِعَارَةُ فِي: نُشُوزًا، وَفِي: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، وَفِي: فَلَا تَمِيلُوا، وَفِي: قَوَّامِينَ، وَفِي: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا، وَفِي: ازدادوا كفرا وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، وَفِي: يَتَرَبَّصُونَ، وَفِي: فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، وَفِي: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ، وَفِي: سَبِيلًا.
وَهَذِهِ كُلُّهَا لِلْأَجْسَامِ اسْتُعِيرَتْ لِلْمَعَانِي. وَالطِّبَاقُ فِي: غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، وَفِي: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَاتِّبَاعُ الْهَوَى جَوْرٌ وَفِي الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَالِاخْتِصَاصُ فِي: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا خَصَّ الْعَمَلَ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ إِذَا كَانَ الْخِطَابُ لِلْمُنَافِقِينَ. وَالْحَذْفَ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ النساء (4) : الآيات 142 الى 159]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لَا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (151)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (156)
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)