فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 6210

تَقُولُ: إِنْ ثَبَتَ فِعْلٌ لَازِمٌ مَعْنَاهُ: تَمَكَّنَ، وَرَسَخَ، وَتَحَقَّقَ. وَثَبَتَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ، وَمَعْنَاهُ:

مَكَّنَ، وَحَقَّقَ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ يُخَاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حُسْنٍ ... تَثْبِيتَ عِيسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا

فَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِهَذَا الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ إِخْرَاجُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ عَدِيلُ الرُّوحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ رِضًا، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ، فَهُمْ يَعْمَلُونَ لِتَثْبِيتِ النَّفْسِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَا تَرْجُو مِنَ اللَّهِ بِهَذَا الْعَمَلِ الصَّعْبِ، لِأَنَّهَا إِذَا ثَبَتَتْ عَلَى الْأَمْرِ الصَّعْبِ انْقَادَتْ وَذَلَّتْ لَهُ.

وَإِذَا كَانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا إِلَيْهِمْ كَانَتْ: مِنْ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ، وَتَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، مِثْلُهَا فِي: هَزَّ مِنْ عطفه، و: حرك مِنْ نَشَاطِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّثْبِيتُ مُسْنَدًا فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنْفُسِهِمْ كَانَتْ: مِنْ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْضًا صِفَةً لِلْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: كَائِنًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى التَّبْعِيضِ؟

قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، وَمَنْ بَذَلَ مَالَهُ وَرُوحَهُ مَعًا فَهُوَ الَّذِي ثَبَّتَهَا كُلَّهَا وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ «1» انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَفْسَهُ هِيَ الَّتِي تُثَبِّتُهُ وَتَحْمِلُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُ مُحَرِّكٌ إِلَّا هِيَ، لِمَا اعْتَقَدَتْهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ، فَهِيَ الْبَاعِثَةُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُثَبِّتَةُ لَهُ بِحُسْنِ إِيمَانِهَا وَجَلِيلِ اعْتِقَادِهَا.

وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ كَمَثَلِ حَبَّةٍ بِالْحَاءِ وَالْبَاءُ فِي: بِرَبْوَةٍ، ظَرْفِيَّةٌ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَخَصَّ الرَّبْوَةَ لِحُسْنِ شَجَرِهَا وَزَكَاءِ ثَمَرِهَا. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ، وَهُوَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

تَرَفَّعَتْ عَنْ نَدَى الْأَعْمَاقِ وَانْخَفَضَتْ ... عَنِ الْمَعَاطِشِ وَاسْتَغْنَتْ بِسُقْيَاهَا

فَمَالَ بِالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ أَسْفَلَهَا ... وَاعْتَمَّ بِالنَّخْلِ وَالزَّيْتُونِ أَعْلَاهَا

وتفسير ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّبْوَةُ، بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ الَّذِي لَا يَجْرِي فِيهِ الْأَنْهَارُ، إِنَّمَا يُرِيدُ المذكورة هنا لِقَوْلِهِ: أَصابَها وابِلٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ جَارٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ جِنْسَ الرَّبْوَةِ لَا يجري

(1) سورة الصف: 61/ 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت