فهرس الكتاب

الصفحة 1329 من 6210

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ انْحَمَلَ الْكَلَامُ قَبْلُ عَلَى لَفْظِ: الَّذِي، وَهَذَا هُوَ مَهْيَعُ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَوِ انْحَمَلَ أَوَّلًا عَلَى الْمَعْنَى لَقَبُحَ بَعْدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اللَّفْظِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ مَعَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَفِي الْحَمْلِ عَلَى اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى تَفْصِيلٌ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي مَبْسُوطَاتِ النَّحْوِ.

وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورِ الْمَعْنَى لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ الْبَذْرِ الْمُلْقَى فِي ذَلِكَ التُّرَابِ الَّذِي على بالصفوان، لِأَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ التُّرَابُ وَزَالَ مَا كَانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الْمَانُّ وَالْمُؤْذِي وَالْمُنَافِقُ، لَا يَنْتَفِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمُرَائِي الْكَافِرِ أَوِ الْمُنَافِقِ، أَوْ عَلَى الْمَانِّ، أَيْ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِثَوَابِ شَيْءٍ مِنْ إِنْفَاقِهِمْ، وَهُوَ كَسْبُهُمْ، عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَعَبَّرُوا عَنِ النَّفَقَةِ بِالْكَسْبِ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَا الْكَسْبَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا «1» وَقَوْلِهِ: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «2» الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ:

أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ «3» وَيَكْفِي مِنْ ذِكْرِ الْعَمَلِ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ: الْمُسْتَشْهَدُ وَالْعَالِمُ وَالْجَوَّادُ.

وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يَعْنِي الْمُوَافِقِينَ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا يَهْدِيهِمْ فِي كُفْرِهِمْ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ مَحْضٌ. أَوْ: لَا يَهْدِيهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَفِي هَذَا تَرَجُّحٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ عَائِدٌ عَلَى الْكَافِرِ.

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ لَمَّا ضَرَبَ مَثَلَ: مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَهُوَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَ ضِدَّهُ بِتَمْثِيلٍ مَحْسُوسٍ لِلذِّهْنِ، حَتَّى يَتَصَوَّرَ السَّامِعُ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ أَسَالِيبِ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا وَصَفَ صَاحِبَ النَّفَقَةِ بِوَصْفَيْنِ، قَابَلَ ذَلِكَ هُنَا بوصفين، فقوله:

ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: رِئاءَ النَّاسِ وَقَوْلُهُ: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْبِيتِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ مَا يُفْسِدُهُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ يَقِينٍ بِالْآخِرَةِ. وَالتَّقَادِيرُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ جَارِيَةٌ هُنَا، أَيْ: وَمَثَلُ الْمُنَافِقِينَ كمثل

(1) سورة الفرقان: 25/ 23.

(2) سورة إبراهيم: 14/ 18.

(3) سورة النور: 24/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت