وبعد أن ذكر- سبحانه- الأساس في قبول الأعمال، وهو إخلاص العبادة له- عزّ وجل- وحده، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإيمان الحق وشعائره فقال- تعالى- وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ...
قال القرطبي ما ملخصه: قَضى أى: أمر وألزم وأوجب ...
والقضاء يستعمل في اللغة على وجوه، فالقضاء بمعنى الأمر، كما في هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يعنى خلقهن، والقضاء بمعنى الحكم، كقوله- تعالى-: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ يعنى: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ من الشيء، كقوله قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أى فرغ منه.
والقضاء بمعنى الارادة. كقوله- تعالى-: إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.. «2» .
والمعنى: لقد نهى ربك عن الإشراك به نهيا قاطعا، وأمر أمرا محكما لا يحتمل النسخ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه، إذ هو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شيء إلا بإذنه- سبحانه-.
فالجملة الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة لله، بعد النهى عن الإشراك به في قوله- تعالى-: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ...
وقد جاء هذا الأمر بلفظ قَضى زيادة في التأكيد، لأن هذا اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعي الذي لا رجعة فيه، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على النفي والاستثناء- وهما أعلا مراتب القصر- يزيد هذا الأمر تأكيدا وتوثيقا.
ثم أتبع- سبحانه- الأمر بوحدانيته، بالأمر بالإحسان إلى الوالدين فقال:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا.
أى: وقضى- أيضا- بأن تحسنوا- أيها المخاطبون- إلى الوالدين إحسانا كاملا لا يشوبه سوء أو مكروه.
(2) تفسير القرطبي ج 10 ص 237.