فهرس الكتاب

الصفحة 1172 من 6701

فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده، حيث كشفت للناس أن الله- تعالى- يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التي كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر، وأن يرشدهم إلى سبيل من تقدمهم من أهل الحق، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة.

ثم أخبر- سبحانه- عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال- تعالى-: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا.

أى: والله- تعالى- يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم، وارتفاع منزلتكم عنده، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما. والميل: أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب: ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق.

ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق، وإنما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذي أمر الله بسلوكه والسير فيه.

وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون في كل زمان، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة باسم الحرية وتارة باسم المدنية. وقد حذر الله- تعالى- عباده منهم حتى لا يتأثروا بهم، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» .

ثم بين- سبحانه- لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا.

أى: يريد الله بما شرعه لكم من أحكام، وبما كلفكم به من تكاليف هي في قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم في شرائعه وأوامره ونواهيه، لكي تزدادوا له في الطاعة والاستجابة والشكر.

وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا أى لا يصبر على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله- تعالى- به أن خفف عنه في التكاليف.

وهذا اليسر والتخفيف في التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإسلامية، وقد بين القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت