وحين يختار النبي صلى الله عليه وسلم لختام القصة تلك المرأة وابنها، فكأنه يقول لنا إن هذا الإيمان الجماعي، ومن بعده تلك التضحية والبطولة الجماعيتان، لم تكن فعل جماعة من الرجال فقط، بل كان فعل مجتمع مؤمن برجاله ونسائه وأطفاله.
وحين يختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الختام، بما يسمى في الفن والأدب النهاية المفتوحة، فإنه أولًا يؤكد للسامعين والقراء أن المعركة لم تنته بالتحريق في الأخاديد، وأن الذي وقع للمؤمنين هو انتصار مؤزر أدركه حتى ذلك الغلام، وأن النهاية ليست هي التي أرادها الملك بإنهاء الإيمان، إن المعركة الحقيقية ليست بقاء المؤمنين على الحياة أو موتهم، بل هي ثباتهم على الإيمان أو رجوعهم عنه، وحيث قد ثبتوا على إيمانهم وهو الحق، ولم ينصاعوا للملك بالرجوع عنه فإنهم هم المنتصرون وهو الذي حاقت به الهزيمة، وفي سورة البروج ما يوحي بأن هناك من تاب حتى من أعوان الملك وجنوده، وذلك في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} ، فالآية من جهة تخبر عن حدث ماض فيه جماعة فتنة المؤمنين، [1] ثم هي تتوعد الذين لم يتوبوا منهم، ما يشي بوجود قسم من التائبين، وهذا أمر متوقع، فأولًا إن مشهد البطولة الجماعي يحرك القلوب والمشاعر ويوقظ العقول، ثم إن الضغوط لا تبقى بالشدة نفسها ولا بالثقل ذاته على هؤلاء الأشخاص فإذا بهم يتحينون الفرصة كي يتخلصوا من عذابات الضمير، ويكفروا عن جريمتهم.
وفي رواية الإمام أحمد (فجاءت امرأة بابنٍ لها ترضعه) ، وهو ما لم يرد في رواية الصحيح، ويخالف حديثًا آخر للرسول عليه السلام أنه لم يتكلم في المهد غير ثلاثة، ليس منهم صبي قصة الأخدود، فإننا نرى القول بأن الغلام كان مميزًا، ولعل ما أورده الإمام أحمد كان إدراجًا من أحد الرواة، ولا داعي للظن بأن مثل هذا القول من الصغار لا يكون إلا بمعجزة خارقة، فإن الأحداث الجسام التي تمر بالأمم والتحديات العظام التي تواجهها تنضج الصغار وتنطقهم وتجعلهم أحكم من الحكماء وأفصح من كبار القادة العظماء، ويكون لهم مواقف وسلوكيات يعجز عنها الكبار والأبطال، واللافت أن الرسول عليه السلام قد استخدم في وصف الصغير لفظ (صبي) ثم لفظ (غلام) ، والغلام أكبر وهو الذي قارب البلوغ، والصبي أصغر منه، وكأن الرسول عليه السلام بعدما أشار إلى صغر عمره أراد أن يلفت إلى أن كلامه كلام الكبار، وقد رأى الناس في فلسطين، على سبيل المثال، للصغار خلال انتفاضة 1987، وانتفاضة الأقصى وغيرهما الكثير من الأمثلة، المؤكدة لما نقول.
(1) كما أن الآية فيها ترغيب وترهيب لقريش، ولكل من يفتنون المؤمنين والمؤمنات.