فأجاب الشيخ قائلًا:"هذا الخطيب شرُّ خطباء الفتنة ، وذنوبه لا تحصى إلا إذا أمكن إحصاء تأثيرها الضار في الأمة ، وأني يحصى وهو من الأمور المعنوية التي لا تعرف بالعدِّ والحساب ، فمن سيئات هؤلاء الخطباء وآفاتهم في الأمة أن كانوا علة من علل فقرها وضعفها في دينها ودنياها ، وضياع ممالكها من أيديها ، فهم أضر على المسلمين من الأعداء المحاربين ، ومن دعاة الضلال الكافرين ((241) قد يلاحظ القارئ قوة عبارات الشيخ محمد رحمه الله في الخطباء . وهي وإن كانت عبارات قاسية وجارحة ، إلا أنه يحكي واقعًا للخطباء ملموسًا في عصره . مع أننا لا نتفق معه على التعميم في الألفاظ ، إذ لا يزال في عصره من الخطباء من هم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبهم فتنبَّه . 241) ، ومثلهم كمثل الطبيب الجاهل يقتل العليل ، وليس هذا محل شرح سيئاتهم بالتفصيل ، ولكن لابد من التنبيه على سيئة منها حادثة لم تكن من قبل ، وهي أن أبناء المسلمين الذين تعلموا العلوم العصرية وعرفوا أحوال الأمم وسياستها ، وتأثير آدابها في مدنيتها وعزتها ، ولم يقفوا على حقيقة الآداب الإسلامية ولا غير ذلك من الأصول الدينية ، يتوهمون أن هؤلاء الخطباء ينطقون بلسان القرآن ، ويبينون للناس لباب ما جاء به الدين من الحكم والأحكام ، ويستدلون على ذلك بإجازة العلماء ما يقولون وما يوردون في كلامهم من الأحاديث وإن كانت موضوعة أو واهية ، وما يرصعونه به من الآيات وإن كانت بما ينهون عنه آمرة ، وعما يأمرون به ناهية ، ولكن أنى للسامع المسكين أن يميز الغثَّ من السمين ، إذا كان لم يطلع على تفسير الكلام القديم ، ولم يقرأ علم الحديث الشريف ، فلا جرم ينفر من الدين نفور الكاره له ، المعتقد أن معارف البشر أهدى منه ، وإذا كان عارفًا بدينه فإنه ينفر من صلاة الجمعة ، وأعرف من المصلين من يتحرى أن يدخل المسجد بعد فراغ الخطيب من خطبته ، وحدثني الأستاذ الإمام رحمه الله"