وهكذا يستعرض هذا الشوط الواحد هذا الحشد من الحقائق والتوجيهات. وهو شوط في المعركة الضخمة التي تعرضها السورة , دائرة بين الجماعة المسلمة وأعداء هذا الدين. من رواء القرون. وهي ذاتها المعركة الدائرة اليوم , لا تختلف فيها الأهداف والغايات , وإن اختلفت أشكال الوسائل والأدوات. . وهي هي في خطها الطويل المديد. .
فلننظر في النصوص - بعد هذا الإجمال - نظرة استيعاب وتفصيل:
يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم , وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ? أفلا تعقلون ? ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم , فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ? والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا , ولكن كان حنيفا مسلما , وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه , وهذا النبي , والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي - مولى زيد بن ثابت - حدثني سعيد بن جبير - أو عكرمة - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده. فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم. . .) الآية.
وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الآية أو لم تكن , فظاهر من نصها أنها نزلت ردا على ادعاءات لأهل الكتاب , وحجاج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع بعضهم البعض في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم والهدف من هذه الادعاءات هو احتكار عهد الله مع إبراهيم - عليه السلام - أن يجعل في بيته النبوة ; واحتكار الهداية والفضل كذلك. ثم - وهذا هو الأهم - تكذيب دعوى النبي صلى الله عليه وسلم أنه على دين إبراهيم , وأن المسلمين هم ورثة الحنيفية الأولى ; وتشكيك المسلمين في هذه الحقيقة , أو بث الريبة في نفوس بعضهم على الأقل. .
ومن ثم يندد الله بهم هذا التنديد ; ويكشف مراءهم الذي لا يستند إلى دليل. فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على الإنجيل. فكيف إذن يكون يهوديا ? أو كيف إذن يكون نصرانيا ? إنها دعوى مخالفة للعقل , تبدو مخالفتها بمجرد النظرة الأولى إلى التاريخ:
(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ? أفلا تعقلون ?) .
ثم يمضي في التنديد بهم ; وإسقاط قيمة ما يدلون به من حجج , وكشف تعنتهم وقلة اعتمادهم على منهج منطقي سليم في الجدل والحوار:
(ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم , فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ? والله يعلم وأنتم لا تعلمون ?) .
وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام ; كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم , ثم تولوا وهم معرضون. . وكان هذا وذاك في دائرة ما يعلمون من الأمر , أما