فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 1045

بد أن تكون قد نزلت بعد ذلك. فقد كانت آخر ما نزل من القرآن على أرجح الأقوال. وأن السورة لم تنزل كلها مرة واحدة كما جاء في إحدى الروايات.

وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة , وتقديم سورة آل عمران , وتقديم سورة النساء , نقول هنا عن المعركة التي كان القرآن يخوضها , بالجماعة المسلمة , مع أعداء هذه الجماعة , وأعداء دينها , وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون , وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين ; ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات. . كل ذلك في وقت واحد ; وفي منهج واحد ; وفي نفس واحد!

وأهم قواعد البناء: تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش. وبيان معنى"الدين"وأنه هو منهج الحياة ; وأن الحكم بما أنزل الله وحده , والتلقي في شئون الحياة كلها من الله وحده هو الإيمان , وهو الإسلام ; وبغير هذا لا يكون هناك توحيد لله. فتوحيد الله هو إفراده - سبحانه - بالألوهية ; وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك. والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية , كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء. . وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة كما أسلفنا. .

ومع تقارب الموضوعات التي تعالجها السور الطوال الثلاث السابقة مع الموضوعات التي تعالجها هذه السورة - كما يبدو من هذا الاستعراض السريع - فإنه تبقى لكل سورة"شخصيتها"وجوها وظلالها وأسلوبها الخاص في معالجة هذه الموضوعات , والزوايا التي تعالجها منها , والأضواء التي تسلطها عليها ; ونوع المؤثرات الموحية المصاحبة للعرض ; بحيث تتميز"شخصية"كل سورة تماما ; ويبرز طابعها الخاص.

والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير. . سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ; أو المبادى ء والتوجيهات , التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ; ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ; في أسلوب التقرير الدقيق , وهو الطابع العام المميز لشخصية السورة. . من بدئها إلى منتهاها.

وقبل أن ننهي هذا التقديم للسورة لا يسعنا إلا أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها. . فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة: (اليوم أكملت لكم دينكم , وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) . . يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها , وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة , كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية ; فلا تعديل فيها ولا تغيير ; فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره. وتعديل شيء فيه كإنكاره كله ; لأنه إنكار لما قرره الله من تمامه وكماله ; وهذا الإنكار هو الكفر الذي لا جدال فيه. . أما العدول عنه كله إلى منهج آخر , ونظام آخر , وشريعة أخرى ; فلا يحتاج منا إلى وصف , فقد وصفه الله - سبحانه - في السورة. ولا زيادة بعد وصف الله - سبحانه - لمستزيد. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت