فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1045

تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه. فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة ; تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع ; واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة. . فكل جهد في الفروع ضائع ; وكل محاولة في الفروع عبث. . والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات. .

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان". .

وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم ; ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم ; فيبقى أضعف الإيمان ; وهو تغييره بقلوبهم ; وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه , إن هم كانوا حقا على الإسلام!

وليس هذا موقفا سلبيا من المنكر - كما يلوح في بادئ الأمر - وتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته. فإنكار المنكر بالقلب , معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر. . إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له , ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به. . وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر , ولإقامة الوضع"المعروف"في أول فرصة تسنح , وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة. . وهذا كله عمل إيجابي في التغيير. . وهو على كل حال أضعف الإيمان. فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان! أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع , ولأن له ضغطا - قد يكون ساحقا - فهو الخروج من آخر حلقة , والتخلي حتى عن أضعف الإيمان! هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل:

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون!. .

ثم يمضي السياق إلى نهاية هذا المقطع في الحديث عن بني إسرائيل , وهو نهاية هذا الجزء. فيصف حالهم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حالهم في كل زمان وفي كل مكان , فهم يتولون الذين كفروا , ويتناصرون معهم ضد الجماعة المسلمة. وعلة ذلك - مع أنهم أهل كتاب - أنهم لم يؤمنوا بالله والنبي وأنهم لم يدخلوا في دين الله الأخير. . فهم غير مؤمنين. ولو كانوا مؤمنين ما تولوا الكافرين:

(ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا. لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم , وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيرا منهم فاسقون) . .

وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطبق على حالهم اليوم وغدا , وفي كل حين. كذلك ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب في معظم أرجاء الأرض اليوم. . مما يدعو إلى التدبر العميق في أسرار هذا القرآن , وفي عجائبه المدخرة للجماعة المسلمة في كل آن. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت