فماذا إذا كان المجتمع لا يعترف - ابتداء - بسلطان الله ? ماذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة الله ? بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ ويستنكر وينكل بمن يدعوه إلى منهج الله ?
ألا يكون جهدا ضائعا , وعبثا هازلا , أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر , في جزئيات وجانبيات من شئون الحياة , تختلف عليها الموازين والقيم , وتتعارض فيها الآراء والأهواء ?!
إنه لا بد من الاتفاق مبدئيا على حكم , وعلى ميزان , وعلى سلطان , وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء. .
لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة. والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة. . وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن , ولتحشد كلها في جبهة واحدة , لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان!
وإن الإنسان ليرثي أحيانا ويعجب لأناس طيبين , ينفقون جهدهم في"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"في الفروع ; بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم ; ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , مقطوع!
فما غناء أن تنهي الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا ; فيستحيل ماله كله حراما ; ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال. . لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله. لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة ?!
وما غناء أن تنهي الناس عن الفسق مثلا في مجتمع قانونه لا يعتبر الزنا جريمة - إلا في حالة الإكراه - ولا يعاقب حتى في حالة الإكراه بشريعة الله. . لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة ?!
وما غناء أن تنهى الناس عن السكر في مجتمع قانونه يبيح تداول وشرب الخمر , ولا يعاقب إلا على حالة السكر البين في الطريق العام. وحتى هذه لا يعاقب فيها بحد الله. لأنه لا يعترف ابتداء بحاكمية الله ?!
وما غناء أن تنهى الناس عن سب الدين ; في مجتمع لا يعترف بسلطان الله ; ولا يعبد فيه الله. إنما هو يتخذ أربابا من دونه ; ينزلون له شريعته وقانونه ; ونظامه وأوضاعه , وقيمة وموازينه. والساب والمسبوب كلاهما ليس في دين الله. إنما هما وأهل مجتمعهما طرا في دين من ينزلون لهم الشرائع والقوانين ; ويضعون لهم القيم والموازين ?!
ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال ? ما غناء النهي عن هذه الكبائر - فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر - والكبيرة الكبرى لا نهي عنها. . كبيرة الكفر بالله ; برفض منهجه للحياة ?!
إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق , مما ينفق فيه هؤلاء"الطيبون"جهدهم وطاقتهم واهتمامهم. . إنه - في هذه المرحلة - ليس أمر تتبع الفرعيات - مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله. فحدود الله