فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 1045

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين. فالأرض لا تخلو من الشر ;والمجتمع لا يخلو من الشذوذ , ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفا مصطلحا عليه ; وأن يصبحا سهلا يجترى ء عليه كل من يهم به. . وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات ; ويصبح الجزاء على الشرك رادعا وجماعيا تقف الجماعة كلها دونه ; وتوقع العقوبة الرادعة عليه. . عندئذ ينزوي الشر , وتنحسر دوافعه. وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه. وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع , ولا يسمح لها بالسيطرة ; وعندئذ لا تشيع الفاحشة. ولا تصبح هي الطابع العام!

والمنهج الإسلامي - بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي - في صورة الكراهية والتنديد , يريد للجماعة المسلمة أن تكون لها كيان حي متجمع صلب ; يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية , قبل أن تصبح ظاهرة عامة ; ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبا في الحق , وحساسا تجاه الاعتداء عليه ; ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها , فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء. . ولا يخافوا لومة لائم. سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم ; أو الأغنياء المتسلطين بالمال ; أو الأشرار المتسلطين بالأذى ; أو الجماهير المتسلطة بالهوى. فمنهج الله هو منهج الله , والخارجون عليه علو أم سفلوا سواء.

والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة ; فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه ; ويجعل الأمانة في عنق كل فرد , بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة.

روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود , قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم , وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله بعضهم ببعض , ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم. . . [ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون] ."وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس , فقال:"ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا".

وروى أو داود - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل , فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد , فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض", ثم قال:" (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) - إلى قوله: (فاسقون) "ثم قال:"كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر , ولتأخذن على يد الظالم , ولتأطرنه على الحق أطرًا - أو تقصرنه على الحق قصرًا -"

فليس هو مجرد الإمر والنهي , ثم تنتهي المسأله , إنما هو الإصرار , والمقاطعه , والكف بالقوه عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت