ميزة «العقل الجبري» في الإعداد أنه فاضح. إذ من المكن ملاحظة جماعة جهادية تتبنى «تطبيق الشريعة» في حين أن برنامجها السياسي وطنيا من ألفه إلى يائه!! أو مجرد يوتوبيا نظرية لا تنفع لإنجازه ناهيك أن يكون لها مبرر بعد نجاح المشروع!! فكيف يستقيم هذا مع اللوازم الشرعية لنظرية الإعداد؟ ولو افترضنا جدلا أن هذه الجماعة اخترقت «الجبر» وقامت في الأرض! وشرعت فعلا بـ «تطبيق الشريعة» ، فهل تستطيع هذه الدولة أن تتنصل من كونها دولة توحيد تقع على عاتقها مسؤولية المسلمين في شتى أنحاء العالم؟ أم أن «التوحيد» يمكن تجزئته أو حصره في الحدود الوطنية!!؟ ومثل هذا الأمر ينطبق على الجماعات الإسلامية التي وصلت إلى الحكم دون أن يكون لديها ولو ملفا واحدا عن وزارة تديرها، بحيث تعرف تاريخها وبنيتها وآلية اتخاذ القرار فيها، ومراكز القوى التي تسيطر عليها، وحجم ممتلكاتها، والكائن منها والمفقود، وحجم الفساد والنهب، والمظالم التي وقعت فيها بحق الناس ... !! فما هو مستوى الإعداد الذي أنجزته هذه الجماعات لتطبق الشريعة أو لتقيم خلافة أو دولة أو تدير حتى مجرد وزارة؟
الذي فعلته القوى الإسلامية، الجهادية والدعوية والاجتماعية والسياسية، مع التفاوت فيما بينها، أنها في اختياراتها العقدية المحددة ومناهجها المتعددة، دخلت في صراعات أيديولوجية جعلت من التنافس والاستقطاب والإقصاء والإسقاط أولوياتها في العمل، وتبعا لذلك بحثت، ولمّا تزل، عن النصرة والموالاة والتأييد بأي ثمن أكثر مما عملت في الإعداد. بل أنها بدت أشد شراسة في صراعاتها الأيديولوجية والمسلحة من صراعات القوى العلمانية فيما بينها حين كانت تمتلك السلاح في العقود السابقة.
كلمة
لا أحد، إلا من كابر، يستطيع القول أن أيا من القوى الإسلامية ورموزها مهما بلغ شأنها استطاعت، تنظيميا أو شرعيا، أن تحشد من خلفها الأمة أو تصمد في أية مواجهة سياسية أو عسكرية. ولا يعني هذا التقييم أنها فشلت ولم تُحدث فارقا في الأمة لكنها قطعا عجزت عن حسم أية مواجهة لصالح الإسلام والمسلمين. والأسوأ من هذا أنها بدلا من إعادة تقييم أدائها والتوقف عند مواطن الخلل في أطروحاتها، أخذتها العزة في الإثم وأوغلت في الخطيئة، أو اتجهت نحو التراجع عما سبق وآمنت به أو دافعت عنه .. ولكن بكبرياء وضيع!!! أما لماذا هذه النتيجة؟ فلأن مشاريعها أقرب إلى الهدم منها إلى البناء .. ولأنها من فِعل و {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، وهذا هو عين «الجبر» بل عين «العقل الجبري» .
الحلقة القادمة
الثورة بعين قوى «الجبر» (3 - 1)