كل التزام عقدي أو أخلاقي أو إنساني؛ بل تدافع عن كل انهيار وانحطاط حضاري، أو تفسخ أخلاقي، أو قيمي، أو ثقافي، فضلا عما يمارسونه من استفزاز فظيع بحق معتقدات الأمة وتاريخها، بدعوى التميز والإبداع .. وتاريخهم وحقيقتهم، وبالأدلة القاطعة، منه براء.
سوءات اللبرالية والماركسية تتضح أكثر ما يكون في سياقات الحدث الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العقدي .. وفي الوقت الحالي فالثورات الشعبية هي الحدث الأهم، وتبعا لذلك يمكن ملاحظة تنكر اللبراليين واليساريين لكل ما كانوا يعتقدون به، ويعتبرونه قيما للحرية والمساواة، برفضهم لرأي الشارع الذي لفظهم، وفضح حقيقة حجمهم، فانهالوا على العامة شتمًا، ووصفوهم بالجهل والتخلف وغياب الوعي، حتى اتضح أن علَّتهم صارت في المجتمع برمته وليس فيهم أو في مناهجهم ونظرياتهم وأهوائهم فحسب.
تناقضاتهم عجيبة!!! فهم يرفضون مبدأ الأقلية والأغلبية لجهة مفهومهم عن الحرية. إذ أن الحرية بالنسبة لهم لا تخضع لهذا المبدأ أبدا. فهي فوق كل مقدس، وفوق كل اعتبار، وفوق كل قيمة أو اعتقاد. لذا فقد تصدروا الثورة المضادة، واجتهدوا، بكل وسيلة، في حمل الأغلبية على ما يعتقدون. ووظفوا كل طاقاتهم للحيلولة دون الوصول إلى اللحظة الفاصلة التي تكشف سوءاتهم أو تحدد مقاديرهم. أما لماذا يفعلون ذلك؟ فلأنهم يدركون أن خياراتهم ليست خيارات الأمة بقدر ما هي خيارات أشد الناس عداوة للذين آمنوا .. وخيارات المنافقين والشياطين .. وخيارات شنودة وسلفاكير .. وخيارات المفسدين في الأرض ..
ورغم أنهم منبوذون، لا يكادون يمثلون أكثر من أنفسهم، إلا أنهم متمسكون بتطرفهم .. ووالغون في الأذى .. يحتملون كل الفضائح ولا يستحون أو يعقلون .. تجدهم رحماء على اليهود والنصارى وملل الكفر قاطبة، يدافعون عن حقوقهم وشرائعهم، ويحرصون على رضاهم، يحالفونهم، ويحرصون على مجالستهم، وحضور طقوسهم، ويتوسلون منهم القبول!! أما مع المسلمين، دون غيرهم، فألسنتهم عليهم سليطة، وحربهم للذين آمنوا بلا هوادة، وجرأتهم على الله، عز وجل، بلا حدود .. ولما لا يكون لديهم من المبررات ما يستر عوراتهم؛ فهل يكون أمثال هؤلاء أقل من أصحاب أحط الأجندات!!!؟
أسوأ ما في اللبرالية، ليس اللبراليون أو متسلقوها من العرب، بل أولئك الذين ينسبون أنفسهم لقوى إسلامية، وفي نفس الوقت يتصرفون كاللبراليين أو أشد منهم سوءة، إما بالخضوع لجلسات استجواب واستنطاق سياسي أو استنزاف عقدي، وإما بالتطوع في تقديم التصريحات المخزية، والفتاوى المنبتة عن أي سند شرعي، وإما بالثناء على الغرب، واعتبار قيمه كونية تصلح لكل زمان ومكان، بينما الأحكام الشرعية غير جديرة بالتطبيق، ولا هو أوانها أو مكانها. يحدث هذا في الوقت الذي نضب فيه بنك العملاء، في أول اختبار له، ممن روجوا لأطروحات «المركز» طويلا، ودافعوا عنها، حتى انكشفت سوءاتهم ومقاديرهم، وتبين لهم وللعامة أن فلول النظم باتت أكثر شعبية منهم.
مشكلة الأمة ليست واقعة في الحرية التي يتبجح بها اللبراليون العرب ورفاقهم بل في مستقبل الأمة برمته. وليس نحن فقط من يقول بهذا، بقدر ما هي اعترافات «المركز» نفسه، وهي تتوالى على وقع التحدي الذي فرضه ملايين البشر في الشوارع، وهم يصرخون ويقدمون التضحيات للخلاص من الاستبداد والتبعية والهيمنة ورويبضة الأمة.
ففي أول تعقيب له على اندلاع الثورات العربية، كتب «نعوم تشومسكي» ، عالم اللغويات اليهودي، في صحيفة «الغارديان - 5/ 2/2011» ، يقول: «إن ما يقلق واشنطن ليس الإسلام المتطرف بل نزوع دوله إلى الاستقلال» ، مشيرا إلى أن واشنطن وحلفاؤها: «يتقيدون بالمبدأ الراسخ القائم على تَقبُّل الديمقراطية طالما أنها تتفق مع أهدافهم الإستراتيجية والاقتصادية، فهي مقبولة لديهم في بلد العدو حتى مدى معين، ولكن ليس في ساحتنا الخلفية ما لم يتم ترويضها» .
وبعد مضي قرابة العام، عزز «غراهام فولر» ، الرئيس السابق للمجلس الوطني للاستعلامات بجهاز المخابرات المركزية الأميركية، ما قاله زميله «تشومسكي» . ففي معرض تعليقه على «الخاسرين» و «الرابحين» من الثورات العربية، أشار في مقالة له بعنوان: «الثورات العربية .. من الخاسر ومن الرابح؟ -