الفلسطينيين إلى قلب اللاذقية وكسروا المحال التجارية وبدؤوا بمشروع الفتنة، وعندما لم يستخدم الأمن العنف ضدهم خرج من ادعى أنه من المتظاهرين وقتل رجل أمن واثنين من المتظاهرين».
في بضعة أيام قتل في سوريا ما يفوق عدد قتلى الثورة التونسية في شهر. ومع بشاعة الجرم؛ إلا أن الكذب في سوريا لا يدانيه أي كذب على وجه الأرض. فالكذبة الواحدة لا تصمد ثانية واحدة من الزمن. ومثل هذا الوضع يعني أن فجور النظام السياسي لا يمكن تصوره حتى لو شهد العالم أجمع عليه. ولما يكون القذافي يدافع عن امتيازاته وعائلته ووهم العظمة والجنون عنده؛ فإن النظام السوري لا يدافع إلا عن أحقاد طائفية دفينة، لطائفة تفتش عمن تحتمي به لتمارس دونيتها ووحشيتها وتسلطها.
الأمر المؤكد أن الثورة السورية تمثل انعطافة جبارة في سياق الثورات العربية، بالنظر إلى تاريخ الشام، وفضائل أهلها، ومحورية العمق الديني فيها من جهة، وبالنظر إلى انتصاب النظام السياسي فيها على خلفية طائفية، وارتباطه المحكم والمصيري بإيران وليس بالعروبة. ولعلنا نتذكر تصريحات أمين الحافظ، الرئيس السوري الأسبق، حين وصف في «شهادته على العصر» الطائفة العلوية المتنفذة في سوريا، باعتبارها طائفة حاقدة على كل ما يمت إلى العروبة والإسلام بصلة.
استطاعت إيران، مؤقتا، وبمنطق تبادل المصالح والمنافع، أن تعترض الثورات العربية في دول الخليج، عبر البعد الطائفي مقابل الكف عن تحريض المعارضة لديها. ولا شك أنه أخطر اعتراض حتى الآن، تسبب بوأد الثورة البحرينية. ولو كانت إيران وحلفائها، من الروافض وغير الروافض، صادقين في دعم الثورات العربية لما أوعزوا لرموزهم في البحرين أو السعودية بالتدخل، ورفع شعارات طائفية أقضت مضاجع أهل السنة، وأثارت حفيظتهم، وحرمتهم من تحقيق أي إنجاز. هذه الشعارات كانت، في المحصلة أو في الواقع، بمثابة طوق النجاة للأنظمة الشمولية في الخليج العربي.
لذا فإن انطلاقة الثورة السورية سيعني، بالنسبة لإيران والسعودية وحتى للبحرين والكويت، إنذارا شديدا، وربما أخيرا، بضرورة الكف عن استعمال البعد الطائفي في الثورات العربية، وإلا فعليها أن تتحمل نتائج تدخلاتها في الأيام القادمة. وفي كل الأحوال فإن نجاح الثورة في سوريا سيوجه ضربة في الصميم للمشروع الصفوي، سواء في بلاد الشام أو في العراق أو في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. كما سيوجه ضربة موجعة للغاية لكافة حلفاء إيران، وخاصة لحزب الله في لبنان. وسيجرد القوى الرسمية التي تتلاعب في حقوق الناس، بالقوة أو عبر زخم الفتاوى المغرضة، من استعمال الورقة الطائفية كفزاعة لوأد الاحتجاجات الشعبية أو الطعن بمشروعيتها. ولا شك أن خسارة هذه الورقة سيؤدي إلى انكشاف النظم التسلطية أكثر من أي وقت مضى، وسيعري كل الأطروحات الزائفة والمغرضة التي تحتمي بالطائفية أكثر مما تخشاها.