ومع ذلك كان لهم شيء من النفوذ، فلما بدأت الخيانات والمصائب من عبد العزيز، وأدرك (أخوان من أطاع الله) الذين ناصروه ظانين أنّ الرجل تجب طاعته ويجب منحه سلطة، وكانت تقلّمت أظافرهم وتوطّد له الملك فلم يستطيعوا أن يواجهوه فوقعوا في ضرورة أخرى وهي أن هناك مفسدة في الخروج عليه وعلينا أن نصبر، وبدأوا يقارنون بين الحالة التي هم عليها وما كانت عليه نجد سابقًا من ضياع الأمن.
وهذه العقدة ما زالت عندهم إلى الآن؛ فتجد ابن عثيمين يضرب المثال فيقول:"يا إخوان لو زال هذا الأمن فسنرجع للأيام التي كان الواحد منّا لا يخرج إلى الصلاة إلا ومعه بندقية". وكان الخيار هو بين آل سعود والجحيم الأصفر، فهذا دائمًا خيارهم لأنّهم يقارنون بما مضى.
المهم استمر الوضع بهذه الصورة، ثم ذهب عبد العزيز بعد أن وطّد أركان الملك واتفق مع الأمريكان واستخرج النفط، وأصبحت السعودية تظهر على الوجود وكأنها قصعة المسلمين بسبب ظهور النفط.
ثم خلف عبد العزيز ابنه سعود وكان فاسقًا ماجنًا، حتى أنه لم يتحمله أحد لا أهله ولا الناس، فاتفقوا على خلعه وخلعوه وجاء بعده الملك فيصل.
والملك فيصل بعض الناس تترحّم عليه نتيجة التحوّل الأخير في حياته، سواء كان تغييرًا صادقًا أو غير ذلك، المهم أن الرجل تحمّس لقضيّة القدس وأراد أن يعاكس السياسة الأمريكية، وصار حوار بينه وكسينجر في مسألة استخدام النفط، وبالفعل استخدم النفط استخدامًا فعّالًا.
فبغضّ النظر كيف خُتم للرجل وكيف كانت حياته، وهل الرجل تاب أو لم يتب، نقول أنّه من الثابت تمامًا أنّ الملك فيصل هو الذي أرسى دعائم العلمانيّة في السعودية.
الملك فيصل منذ أن كان شابًا رأى والده فيه صفات النجابة والرياسة فدفعه إلى المحافل الدولية، وكان ممثل المملكة في الأمم المتحدة، والمملكة هي عضو مؤسس في الأمم المتحدة يعني من الأعضاء الذي أسّسوا هيئة الأمم، ثمّ تنقَّل الرجل في عدة مناصب وأخذ عدة وزارات وكان سياسيًا داهية، إلى أن خلعوا سعود ونصّبوا فيصل مع أنّ الدور لم يكن له.