وأن تكون الحياة لله تبارك وتعالى لا يتحقق ذلك إلا بإصلاح النية وإصلاح العمل، حتى تكون الحياة لله والموت في سبيل الله لا بد أن تصلح النية ويصلح العمل، إصلاح النية بأن يكون القصد ابتغاء الله والدار الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .
{لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} لا يريدون مكانةً في الأرض، لا يريدون أن يكون لهم سلطان في الأرض إنما الذي يريدونه أن يكون سلطان الله تبارك وتعالى على الجميع، ليس هدفي أن تخضع لسلطاني أو أن تكون في حكمي، لا، إنما أن أكون أنا وأنت وجميع البشر تحت سلطان الله تبارك وتعالى، أخضع أنا وأنت والبشرية لأمر الله تبارك وتعالى ولسلطان الله تبارك وتعالى، فالأمر ليس مغالبة لمن يكون السلطان، لي أو لفلان أو لك، لا، إنما أن يكون حكم الله تبارك وتعالى وشرع الله ودين الله ساريًا على الجميع، إصلاح النية.
وإصلاح العمل: أن يكون العمل على الكيفية التي يريدها الله تبارك وتعالى، أن أعبد الله تبارك وتعالى كما يريد الله لا كما أريد أنا.
قال الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات في موضوع العبودية والخضوع لله تبارك وتعالى وعدم التملص من الأحكام الشرعية أو مخالفة الحكم الشرعي، قال رحمه الله:"إنما قصد الله تبارك وتعالى بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبدًا لله"، فنحن نعبد الله تبارك وتعالى كما يريد الله تبارك وتعالى لا كما نريد، نحن ننفذ أوامر الله تبارك وتعالى لا نتبع رغباتنا وأهواءنا، فاتباع الهوى مخالفٌ لتحقيق العبودية، إما اتباع الهوى وإما اتباع الشريعة، إما حكم الله وإما الهوى.
واتباع الهوى له صورتان رئيسيتان -باختصار-:
-اتباع الهوى في الإعراض عن الحكم الشرعي. يتبع الهوى ويترك الشريعة، كل الشريعة يتجنبها، لا يريد أصلًا الالتزام بالشريعة، لا يخضع للالتزام بالشريعة، لا يخضع لله وللالتزام بوحيه، متبع للهوى مخالف للشرع، قال الله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} هذا الأمر الأول في اتباع الهوى؛ أن يترك الشريعة ويترك الوحي ويتجنب الدين ويتبع هواه.
-الأمر الثاني: اتباع الهوى في التعامل مع الحكم الشرعي، هو سائر على شرع الله تبارك وتعالى لكن تأتي النصوص فيطوِّع النصوص لتوافق هواه، فيتلاعب بالنصوص الشرعية بمدلولات النصوص الشرعية، لا يحرف النصوص الشرعية لكن يحرف معانيها يحرف أحكامها، كما قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} هذا الصنف الآخر ملتزم بالشريعة سائر في الدين لكن يطوع النصوص بما يوافق الهوى فتنتج البدع وتنتج المخالفات الشرعية وأمور كثيرة غير موافقة للشرع بسبب اتباع الهوى في التعامل مع النصوص الشرعية.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نطلب العون والتأييد والتوفيق منك، نخصك بطلب المعونة، أن يعيننا الله تبارك وتعالى.
الاستعانة: هي الاعتماد على الله تبارك وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله في تحصيل ذلك.