ثم ذُبح الإمام سعيد بن جبير رحمه الله وتقبَّله في الشهداء والصالحين، ولم يلبث الطاغية الظالم بعده إلا أيّام قلائل حتى هلك، وبرّ الله تعالى قسم الإمام الشهيد ..
أيها الأخوة المؤمنون؛ هكذا دأب الطغاة المجرمين في كل زمان ومكان، وإن قصصهم لعبرة، قال الحسن البصري عندما جاءه خبر الإمام:"اللهم ائتِ على فاسق ثقيف، والله لو أنَّ ما بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبَّهم الله على وجوهم في النار".
اللهم ائتِ على فساق وكفار وطغاة بلاد المسلمين، فأنت أعلم بما ساموا به عبادك الصالحين ..
ذكرت كتب التاريخ أن سلطان الشام الملقب بالملك الصالح إسماعيل الأيوبيّ كانت بينه وبين أخيه سلطان مصر الملقب بالصالح نجم الدين أيوب نزاعات على الملك، فاستعان إسماعيل على أخيه نجم الدين بالصليبيين وأعطاهم مقابل ذلك عددًا من قلاع المسلمين وحصونهم، وسمح لهم أن يدخلوا دمشق ويشتروا منها السلاح والعتاد ..
وكان سلطان العلماء العز بن عبد السلام أيامها إمامًا وخطيبًا للجامع الأموي في دمشق، فصعد المنبر وأفتى بتحريم بيع السلاح للصليبيين، وشدَّد النَّكير على فعلة السلطان إسماعيل وخيانته، وقطع من الخطبة الدعاء للسلطان إسماعيل وأبدله بدعائه:"اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد تعزّ فيه أولياءك وتذلّ فيه أعداءك، ويُعمل فيه بطاعتك ويُنهى فيه عن معصيتك".
وكان هذا بمثابة إعلانه قطع البيعة، فغضب السلطان إسماعيل وكان خارج دمشق، وأمر بعزله عن الإمامة والخطابة وأمر بحبسه مع بعض أعوانه، ونهض نفرٌ من تلاميذ الشيخ فأعدّوا له مأمنًا وعرضوا عليه الهرب قبل أن يدخل السلطان إسماعيل الشام، فرفض الشيخ عرضهم وقال:"والله لا أهرب ولا أختبئ، وإنما نحن في بداية جهاد ولم نعمل شيئًا بعد، ولقد وطَّدت نفسي على احتمال ما ألقى في هذا السبيل، والله لا يضيع عمل الصابرين".
ثم وُضع الشيخ في الإقامة الجبرية ومُنع من الإفتاء والاتصال بتلاميذه مدة، ثم خرج بعد مراجعات السلطان إلى بيت المقدس فمكث فيه مدة، ثم سيّر الصالح إسماعيل والمنصور صاحب حمص وبعض ملوك الفرنجة الصليبيين بضع