الصفحة 36 من 46

وقال أبو حنيفة:"والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب؟! فلا أصلح لذلك"، قال المنصور: كذبت بل تصلح، فقال:"كيف يحلّ أن تولّي من يكذب؟!".

روى الحافظ أبو نُعيم في (حلية الأولياء) أن أبا جعفر المنصور قد بعث إلى الإمام الجليل الأوزاعي، فلما دخل عليه قال المنصور: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟ قال: وما الذي يريده أمير المؤمنين؟ قال المنصور: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، فقال الإمام: انظر لا تجهل شيئًا مما أقول.

قال المنصور: كيف أجهله وأنا أسألك عنه وقد وجهت فيه إليك؟ قال: أن تسمعه ولا تعمل به. فصاح الربيع به، وأخذ السيف بيده، فانتهره المنصور وقال للربيع: هذا مجلس مثوبة لا عقوبة، فحينئذٍ قال الإمام الأوزاعي: يا أمير المؤمنين، حدَّثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أيما عبد جاءته من الله موعظة في دينه فإنها نعمة من الله سِيقت إليه، فإن قَبِلها بشكر وإلا كانت حجَّة من الله عليه ليزداد بها إثمًا ويزداد الله عليه بها سخطًا) [رواه البيهقي] .

يا أمير المؤمنين، حدَّثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أيما والٍ بات غاشًا لرعيته حرَّم الله عليه الجنة) [رواه البيهقي] .

يا أمير المؤمنين، إن الذي يُلين قلوب أُمَّتكم لكم حين وليتم أمورها قرابتكم من نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا مواسيًا نفسه بهم في ذات يده، وإنك عند الناس لحقيق أن تقوم فيهم بالحق، وأن تكون بالقسط فيهم قائمًا ولعوراتهم ساترًا. لم تغلق عليك دونهم الأبواب، ولم تُقِم عليك دونهم الحُجَّاب، تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء.

دخل عمرو بن عبيد على المنصور، ودخل رجل حسن الأدب، كأنما لم يزل مع الملوك، فأجلسه المنصور إلى جانبه فأبى إلا أن يجلس بين يديه، ثم قال له: إن الله واقِفُك وسائِلك عن مثاقيل الذَّر من الخير والشر، وإن أمَّة محمَّد خُصماؤك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت