ذلك فأقرّه على أمره، وإن لم يُجِبك إلى ما كتبتُ به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه. وكان المأمون يُجري على عفان كل شهر خمسمائة درهم.
فلما قرأ عليّ الكتاب قال لي إسحاق: ما تقول؟ فقرأت عليه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى ختمتها.
فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك. فقلت: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فسكت عني، وانصرفت. فسُرَّ بذلك أبو عبد الله ويحيى.
جيء بـ"حطيط الزيات"إلى الحجاج، فقال له الحجاج: أنت حطيط؟ قال: نعم، سل ما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال:"إن سُئلت لأصدقن، وإن ابتُليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن". فقال الحجاج: فما تقول فيّ؟ قال حطيط: أقول: إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم، وتقتل بالظنة. قال الحجاج: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: أقول: إنه أعظم جرمًا منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه.
فأمر الحجاج بتعذيبه، حتى انتهى به العذاب إلى أن يشقَّق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئًا، ولا بدا عليه جزع أو ضعف.
فأُخبر الحجاج بأمره، وأنه في الرمق الأخير، فقال:"أخرجوه فارموا به في السوق"، ووقف عليه رجل وهو بين الحياة والموت يسأله: ألك حاجة؟ فما كان من"حطيط"إلا أن قال:"ما لي من حاجة في دنياكم إلا شربة ماء"، فأتوه بشربة شربها، ثم مات، وكان ابن ثماني عشرة سنة!.
روت كتب التاريخ أن الإمام سعيد بن جبير- رحمه الله- أُدخل على الحجّاج فقال له الحجّاج: ما اسمك؟، قال:"سعيد بن جبير"، فقال:"بل أنت شقيّ بن كُسير"، فقال:"بل كانت أمّي أعلم بإسمي منك"، فقال الحجاج: شقيت وشقيت أمك، فقال سعيد: الغيب يعلمه غيرك، فقال: لأبدّلنك بالدنيا نارًا تلظّى، فقال سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.