إلى العقبة تَحُفُّه عناية الله ورعاية الله، حذيفة آخذ بخطام ناقته، و عمار يسوقها، و إذ بالأشقياء يعترضون الناقة لينفذوا مخطط الشقاء و العار، فيصرخ فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيولوا مدبرين، و يحفظ الله سيد المرسلين، و ينزل الله قوله في المنافقين وَ هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا و يرسل بعدها -صلى الله عليه وسلم- عليهم سهمًا إلى الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ إذ يدعو اللهَ عليهم أن يهلكهم، فيصاب كل واحد منهم بخُرَّاج يخرج في ظهر الواحد منهم، و يدخل إلى قلبه؛ فلم ينجُ منهم أحد؛ فإلى جهنم، وبئس القرار.
و من دسائس أعداء الله أنهم أرسلوا لكعب بن مالك -رضي الله عنه- يوم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- بهجره أرسلوا إليه يقولون له: بلغنا أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان و لا مضيعة؛ فالْحقْ بنا نُواسِك، لكن كعبًا مؤمن علم أن هذا من الابتلاء، فيمَّمَ التنور، فأوقده بالرسالة، وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ .
عباد الله: هذا هو ديدن أعداء الإسلام في الغابر و الحاضر في كل زمان و مكان، يتحسسون الأنباء و يترصدون و يتربصون بالإسلام و أهله، و كم من أقدام في مثل هذا ذلَّت، وكم من أرجل في مثل هذه الأوحال قد انزلقت، أما كعب فيمَّمها التنور و سجَّرها، و كم في الأمة من أمثال كعب.
فدت نفسي و ما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
و من هذه الدروس: إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرةٍ أقوى و ألف مهند، قضى الله أنه متى ما حادت الأمة عن عقيدتها، و تعلقت بهذا أو بذاك إلا و تقلبت في ثنايا الإهانات و النكبات و النكسات حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها.
من يتق الله و ينصر دينه ... لابد في ساح المعارك يُنصَر
ألا و إن من أعظم الدروس: و ليكن الأخير من غزوة"تبوك"- و المسلمون يمرون بأحداثهم المعاصرة و متغيراتهم الحثيثة- إنه الدرس الجامع الذي يكون من محراب الجهاد و كفى. من محرابه تنطلق قوافل المجاهدين. بالجهاد ترد عاديات الطغيان؛ فيكون الدين لله، و لا تكون فتنة. جهاد بالنفس و المال و اللسان و السنان، و يبقى دين محمد -صلى الله عليه وسلم- مهيمنًا.