ففي هذا الحديث بعد ما اتفق النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين على إعطائهم جزءا معينا من ثمار المدينة، رجع إلى الأنصار ليدفعوه إن رأوا ذلك، فدل على أن بذل المال لا يجوز إلا عند خوف الاستئصال، لأن ذلك لم يكن إلا عند تجمع المشركين لمحاربة المسلمين واستئصالهم، ولكن الله رد كيدهم إلى نحورهم.
وأما القياس فهو:
أنه لا يجوز بذل المال للأعداء إلا عند الاصطلام، لأن المسلمين في هذه الحالة بمنزلة الأسرى، فكما يجوز فداء الأسير، فكذلك يجوز دفع المال في هذه الحالة [1] .
وأما المعقول فهو:
1 -أن دفع المال للأعداء إهانة للمسلمين، وفيه صغار لهم، والإسلام ينبو عن ذلك، فلا يجوز إلا عند خوف الاستئصال [2] .
2 -أن الخوف من الاصطلام وتعذيب الأسير أعظم في الضرورة من بذل المال فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما [3] .
الرأي الراجح:
هو الرأي الأول القائل بجواز بذل المال للكفار عند الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، فإن كان إعطاء المال محظورا للأعداء، لأنه يقوى شوكتهم، لكن يجوز بذله لمصلحة أعظم نفعا لنا وهي أمن شرهم وانشغالهم عن المسلمين، حتى يتمكن المسلمون من إعادة بناء جيش قوي، وإنشاء الحصون، وسد الثغور.
مدة الهدنة:
اتفق الفقهاء [4] على أن الهدنة تكون مؤقتة. معلومة البداية والنهاية فلا تجوزعلى التأييد أو مدى الحياة، واختلفوا في تحديد مدتها على رأيين:
(1) انظر الأم 4/ 268.
(2) انظر مغنى المحتاج 4/ 261.
(3) الحاوي الكبير 14/ 354، المهذب 2/ 261.
(4) انظر شرح فتح القدير 5/ 205، الهداية 2/ 239، حاشية الدسوقي 2/ 206، فتح العلي المالك 1/ 392، الأم 4/ 269، حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلى على متن منهاج الطالبين 4/ 227، الروض المربع 1/ 179، المغنى 9/ 285، شرح الأزهار 4/ 562، شرائع الإسلام 1/ 333.