الرأي الثاني: ذهب الشافعية [1] إلى أنه لا يجوز لنا عقد مهادنة مع الأعداء على مال إلا إذا كان المال فداء للأسرى أو احاطة الأعداء بنا وخفنا الاصطلام والاستئصال.
الأدلة:
استدل أصحاب الرأي الأول بالكتاب والسنة والأثر والقياس والمعقول.
أما الكتاب فمنه:
قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) [2] .
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى أباح لنا الصلح مع الأعداء مطلقا، فيجوز بمال أو بغير مال.
أما السنة فمنها:
ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قد هم أن يعقد مهادنة مع عيينه بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المرى يوم الأحزاب على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلان قريشا ويرجعا بقومهما عنهم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا. استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. فقالا: يا رسول الله. هذا أمر نحبه فنصنعه لك، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال"بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة، إلا شراء أو قِرّى، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك، تعطيهم أمولنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكمك الله بيننا وبينهم.
(1) الأم 4/ 268، حاشية الجمل على شرح المنهج 5/ 230.
(2) من الآية 61 من سورة الأنفال.