الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء [1] من المالكية والشافعية والحنابلة والزبدية والإمامية إلى اشتراط وجود المصلحة عند إبرام العقد فقط، ولا يشترط استمرارها.
الرأي الثاني: ذهب الحنفية [2] إلى أنه يشترط استمرار المصلحة طوال مدة العقد فإن هادنهم الإمام على مدة معينة ثم رأى المصلحة في نقض العهد نقضه، وأعلمهم بذلك ولا يقاتلهم إلا بعد علمهم بالنقض لقوله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) [3] .
ولأن الموادعة في رأي الحنفية جهاد معنى، فإذا تبدلت المصلحة عاد المنع من عقدها استصحابا للأصل الذي شرعت من أجله.
وأن قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) [4] منسوخ [5] بقوله عز وجل (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [6] .
ويرد عليهم:
بأنه لا نسخ ولا تعارض، والجمع والتوفيق أولى، فعمومات الأمر بالقتال محمل على خصوص الأمر بالمسالمة. ومن مسلمات قواعد الحنفية أن العام يحمل على الخاص [7] . ثم إن القول بأن للإمام النقض متى رأى المصلحة في ذلك مخالف لمبدأ الوفاء بالعهد. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [8] ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من صحابته رضوان الله عليهم أنه نقض العهد متى رأى المصلحة في ذلك قبل انقضاء مدته، إنما كانوا
(1) المراجع السابقة.
(2) بدائع الصنائع 7/ 109، شرح فتح القدير 5/ 205.
(3) من الآية 58 من سورة الأنفال.
(4) من الآية 61 من سورة الأنفال.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3/ 69.
(6) من الآية 5 من سورة التوبة.
(7) انظر أحكام القرآن لابن العربي 2/ 876، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/ 15 - 17، تيسير التحرير لمحمد أمير المؤمنين بأمير بانشاء 1/ 271، كشف الأسرار 1/ 168 - 169، آثار الحرب في الفقه الإسلامي د. / وهبة الزحيلي ص 673.
(8) من الآية 1 من سورة المائدة.