الصفحة 4 من 26

اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، و حاشاه تعالى أن يُخلف وعده، أو يكره لقاء عبدٍ جاد بنفسه في سبيله تعالى.

فليتحين من فاتته المشاركة فيما مضى الفرصة للمشاركة فيما هو آت، فإن الجهاد ماضٍ و لا بُدّ، و على الرغم ممّا تمخّض عنه في السابق من خيراتٍ حِسان - رُغم قلّة النصير، و كثرة النكير - فإنّ جراحات المسلمين لا تزال نازفة في شرق العالم الإسلاميّ و غَربه، و لا يكاد يلتئم جُرحٌ حتى يُثلَم ثغر جديد هنا أو هناك، فيهب لسدّه شبابٌ باعوا نفوسهم لله، و ذاقوا حلاوة التضحية و الجهاد، فغبّروا أقدامهم في سبيله، و عفّروا جباههم بتراب الرباط في ميادينه و على ثغوره، غير آبهين أو مبالين بصَلَف الطغاة، و ملاحقة البغاة، و خُذلان بعض الدعاة.

بل تراهم رهبانًا في الليل، فرسانًا في النهار، يقارعون الباطل، و يصرخون في وجه أهله (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) [من سورة التوبة الآية 52] .

و إذا لهث القاعدون حول حطام الدنيا، و تزاحموا بالأكتاف و الأقدام على أبواب الرزق و أسبابه في ديار الكفر، رأيت أهل الثغور أكثر اطمئنانًا و إيمانًا و تسليمًا، يستحْلُون مرارة الرباط، و يحتملون شظف العيش، و لا يلتمسون من الدنيا و حطامها إلا قُدّرَ لهم تحت ظلال الرماح، يحدو ركبهم خير البشر، و أمير الظَفَر صلى الله عليه و سلّم، الذي قال فيما رواه البخاري معلّقًا و أحمد بإسناد صحيح عَنِ عبد الله ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنه عليه الصلاة و السلام: «جُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» . فطوبى لمن بايعه على ذلك أو بايع من بايع عليه، ثبت في الصحيحين و سنن النسائي و الترمذي و مسند الإمام أحمد أن يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ سأل سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.

فيا حُسنَها من بَيعةٍ، و يا طِيبَها من مِيتة، ترى مَن ارتضوها يمني نفسه و يؤمّل صاحبه في النصر و التمكين، و يشدّ على يديه مبايعًا على الصبر و الثبات، فلا يهولهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت