يُجادل فيما هو أجلى منها، و قَد تفرَح النفس بما علِمته من البحث و النظر ما لا تَفرَح بما عَلِمَته من الأمور الظاهرة) [شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العزّ الحَنَفي، ص: 112] .
المقصد الثامن
في ما يتعلّق بقتل المدنيين في هذه العمليّات
لا حجّة لمن يُنكر العمليّات الاستشهاديّة بدعوى أنّها تستهدف (أو يقع من ضحاياها بعض) المدنيين، و النساء و الأطفال و الشيوخ غير المحاربين، فقد روى الشيخان و أبو داوود و الترمذي و ابن ماجة و أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - رضى الله عنهم - قال: مَرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - وَ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَ ذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه و سلم» .
و من هذا الحديث الشريف أخذ العلماء جواز التبييت في الحرب. قال الإمام أحمد: لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، و قال: لا نعلم أحدًا كره البيات. [انظر: المغني مع الشرح الكبير: 10/ 503] .
هذا مع ما في التبييت من مخاطرة بغير المحاربين نساءً و أطفالًا و شيوخًا، فالنص يقطع دابر الخلاف في المسألة، و يجعلهم سواء.
و روى الترمذي عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. و معلوم أن الرمي بالمنجنيق يقع على كلّ من في الحصن، و بثبوته يبطل التفريق بين المحاربين و بين ذويهم، و الله أعلم.
بل يزاد على ذلك أن العبرة في التعامل مع العدو ليست بتقسيمهم إلى فسطاطين لا ثالث لهما، بل يُلحق بالمحاربِ المساندُ بالرأي و المال، لِفعل النبيّ صلى الله عليه و سلّم مع بني قريظة، حيث قَتَل مقاتِلَتهم (و هم القادرون على حمل السلاح من الرجال) و لم يكن يسأل القُرَظيّ: أحاربتَ أم لا؟