إلى سحب الصفة الإلهية من هذه الأحكام وكأن هؤلاء المفسرين يعملون في الهواء الطلق دون الالتزام بأية قواعد أو مناهج، فعمومية الأحكام التي تكسبها الصلاحية والمرونة لمواجهة ما يقتضيه التطور الاجتماعي ومتغيرات السلوك الإنساني من أحكام لا يفقدها مقوماتها الخاصة بها لأن هذه العملية التوليدية المستمرة من الأحكام الإسلامية تخضع في تطورها لإطارات خاصة وأهداف محددة تعكس تصورات العقيدة الإسلامية للعالم والغايات الإسلامية من حركة تطور المجتمع ويخضع هؤلاء المفسرون لقواعد أصولية ثابتة في عملية التفسير واستخلاص الأحكام الجديدة وعلى قدر التزامهم بهذه القواعد على قدر ما ينسحب على آرائهم من شرعية إسلامية.
وحكاية عمومية أحكام الشريعة هذه واتخاذها ذريعة لتفريغ الإسلام من محتوياته تتردد كثيرًا في كتابات الدكتور زكريا حتى تكاد تشك أن لديه إعوازًا شديدًا في مواده الفكرية التي يستخدمها في محاولاته في إزاحة الإسلام وتثبيت دعائم الأنماط العلمانية في التفكير (والماركسية منها بالذات) على الساحة الفكرية مكانه وذلك في رده على كتاب الدكتور مصطفى محمود الماركسية والإسلام يقول [1] :"إذا كانت الأحكام الدينية تقتصر على العموميات وتترك التفاصيل والجزئيات لاجتهاد العقل البشري وفقًا لظروف الإنسان المتغيرة فمن أي مصدر نستمد هذه التفاصيل؟ لابد أن يكون ذلك من مصدر دنيوي ولابد أن يملأ الناس ذلك الإطار العام الذي تحدده الأحكام الدينية، بمضمون أو بمحتوى مستمد من واقع حياتهم المتغيرة ومستلهم من فكر إنساني واجتهاد بشري". ونعود لكي نسأل مرة أخرى: هل عملية الاجتهاد في التفاصيل هذه تحدث هناك في الهواء الطلق دون أي تأثير من القواعد العمومية؟ ثم يأخذ على الدكتور مصطفى محمود هجومه على الماركسية
(1) الصحوة الإسلامية في ميزان العقل.