الباب الثالث - الفصل الرابع
شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين وبعد، فإن خلق النحل عجيب، وتسمية سورة من القرآن باسمه، وعمله المتميز جعلني مشدودا للنظر في الآيتين الكريمتين من سورة النحل، وما فيهما من أسرار تنفع الناس، ودليل قاطع على عظمة الله الخالق سبحانه.
قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ0 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [1] لقد كانت نظرة العلماء لهاتين الآيتين نظرة محددة تكتفي بالإشارة إلى عظيم قدرة الله تعالى المتجلية في خلق النحل، وصنعه للعسل، وكيف علم النحلة صنع البيوت في الجبال، والأشجار، والخلايا من صنع الإنسان. فهي تجمع ما تجمعه من مواد سيكشف البحث عنها لتكون بالتالي سببا للشفاء من الأمراض العديدة بإذن الله تعالى.
لم يكتف العلماء بهذا الأمر بل طلبوا المزيد من المعرفة التي غرسها الله في النحل، وراحوا يتعمقون في الدراسات حول هذا المخلوق من خلال الآيتين السابقتين، فإن التعابير القرآنية في الجمل القصيرة التي تكو ن الآيتين تحث القارئ على مزيد النظر والتفكر. فالله تعالى لم يصرح بذكر العسل، وإنما قال: شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، وهذا يوحي بتعدد نوع الخارج من بطون النحل، فهو العسل وأشياء أخرى سيتم الكشف عنها، وعن منافعها.
والآيتان من متشابه القرآن الذي يشتمل على عديد من المعلومات والأفكار والمعاني وفقا للعبارات الواردة كالبيوت، والشجر، والتعريش، والثمرات، والشراب، والألوان، والشفاء. فكل كلمة ذات مدلولات عديدة مختلفة، وما دام الحال كذلك فإن الباحث سيتم تركيزه على جملة شراب
(1) القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 68/ 69.