الصمد، وذكر بعد ذلك (مالك يوم الدين) وفي قراءة أخرى (ملك يوم الدين) فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة من المصحف: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ} (سورة الناس، الآيات: 1 - 3) .
فهذه ثلاثة أوصاف لربنا تبارك وتعالى ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر القرآن ما يطرق سمعك من القرآن. فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضوع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات، فكل صفة لها معنى غير معنى الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم فكل وصف له معنى غير ذلك الوصف الآخر.
إذا عرفت أن معنى الله هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقًا طيبًا أو خبيثًا، أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت أنه هو الله، فمن عرف أنه قد جعل صحابيًا أو وليًا أو مقبورًا، يرفع لهم من العبادة والدعاء ونحوها ما لا ينبغي أن يرفع إلا لله عز وجل عرف أنه قد وقع في الشرك بالله تعالى برهة من عمره وجعل ذلك مكان الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العج [1] لما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: {وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف149.
وأما الرب فمعناه المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شئ وهو المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن
(1) راجع رسالة كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.