الباب الثالث
نماذج تطبيقية على التفسير الموضوعي
الفصل الأول
الوحدة الكاملة مع اختلاف الموضوعات كسورة الفاتحة
مقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه وأتباعه. أما بعد فإن فاتحة الكتاب سورة عظيمة الفوائد، تعددت أسماؤ [1] اعلم أرشدك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة، أن مقصود الصلاة وروحها ولبها هو إقبال القلب على الله تعالى فيها، فإذا صليت بلا قلب فصلاتك كالجسد الذي لا روح فيه، ويدل على هذا قول الله تبارك و تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} الماعون4* {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} الماعون5، ففسر السهو بثلاثة أمور:
أولها: السهو عن وقتها، أي إضاعته.
وثانيها: السهو عن ما يجب فيها.
وثالثها: السهو عن حضور القلب.
ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ الظُّهْرِ وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ أَصَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنْ الظُّهْرِ قَالَ فَصَلُّوا الْعَصْرَ فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيل [2] وصفه بإضاعة الوقت بقوله:"يرقب الشمس"وبإضاعة الأركان بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله:"لا يذكر الله فيها إلا قليلا"."
إذا فهمت ذلك فافهم نوعا واحدا من الصلاة، وهو قراءة الفاتحة لعل الله أن يجعل صلاتك في الصلوات المقبولة المضاعفة المكفرة للذنوب.
ومن أحسن ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
(1) بلغت أسماء الفتحة عند رواة التفسير أربعة عشر اسمًا.
(2) صحيح مسلم، باب التبكير بصلاة العصر، حديث رقم: 987.