الأمر الرابع: ترك موادة أعداء الله، قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ، قال شيخ الإسلام فأخبر سبحانه وتعالى، أنه لا يوجد مؤمن يوآدّ من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ولا يوجد مؤمن يوآدّ كافرًا، فمن وآدّ كافرًا فليس بمؤمن، قلت: فإذا كان الله قد نفى الإيمان عن من وآدّ أباه وأخاه وعشيرته إذا كانوا محادين لله ورسوله فمن وآدّ الكفار الأبعدين فهو أولى بأن لا يكون مؤمنًا.
هل تأملت أخي رعاك الله نصوص العلماء في هذه المسألة العظيمة، التي لم أنقل لك إلا نزرًا يسيرًا مما كتبوه فيها، ولكني أظن أن بما نقلته كفاية، فبان أن الناس في هذا الزمان أهملوا أصل الولاء والبراء، ولم يرفعوا به رأسًا وجهلوا أنه من الدين، فوالله لو أن قلوب الناس عمرت بحب الله لما اتسعت لما يناقض محبة الله ومحبة ما يحب ومن يحب، ولكن القلوب أصبحت كالحجارة بل أشد قسوة، فالمخلوقات العظيمة لم تتحمل قول الكافرين فضلًا عن مودتهم وموالاتهم ومناصرتهم والوقوف معهم وتعزيتهم والتأسف لمصابهم، فعندما قال الكفار بعض الأقوال في حق الله كادت أن تزول وتنهد، قال تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) ، فانظر كيف كادت هذه المخلوقات العظيمة أن تتحول وتزول بسبب مقولة الكافرين الشنيعة على الله، فهم أهل بهت وكفر مبين، قالوا (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) وقالوا (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) وقالوا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالوا (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) وقالوا (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) هذا قولهم في حق الله فقط، أما أقوالهم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة جدًا، وأقوالهم في حق أنبياء الله وصحابة رسوله الكريم لا تعد ولا تحصى.
كل هذه المقولات العظيمة الشنيعة في حق الله التي كادت لأجلها السموات أن يتفطرن وكادت لها الأرض أن تتزلزل وتنشق وكادت لها الجبال أن تنهد، لا زال الكفار من يهود ونصارى وغيرهم يعتقدون ذلك ويرددونه، بل ويرددون من القول ما هو أشد منه وأبشع، ورغم كل هذا تجد من المسلمين من يحبهم ويناصرهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم ويقف معهم إذا ألمت بهم عقوبة من الله، فأصبحت قلوب المسلمين أشد قسوة من الجبال الصم.
ولو أن القلوب أحبت الله حق الحب، ورضيت بالإسلام حق الرضى، لما أطاقت أن تسمع أصوات الكافرين أو تنظر إليهم، فضلًا عن تعزيتهم والتبرع لهم بالدم ومواساتهم ومساعدتهم ومظاهرتهم ضد المسلمين والوقوف بجانبهم في حربهم ضد الإرهاب (الجهاد) ، فإن كل هذه الأفعال لا تصدر إلا عن قلب معرض لا يحب الله ولا يعادي من عادى حبيبه، ولا يعرف معنى لا إله إلا الله ولا يعمل بها، فمن سب الله عندهم كمن مدحه، ومن كفر كمن آمن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.