قال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) 7/ 17 "كقوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يوآدّ المحادّين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافى موآدّته كما ينفى أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتقى ضده وهو موالاة أعداء الله فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب، ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف لو التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) فدل على أن الإيمان المذكور ينفى اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ومثله قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنًا.
قال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) 28/ 190 "فإن المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان ونهى عن موالاة الكفار وبين أن ذلك منتفيا في حق المؤمنين".
يقول ابن كثير في (تفسير ابن كثير) 2/ 85 "وقوله تعالى (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال مجاهد يعني بذلك المنافقين، وقوله (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) يعني بذلك موالاتهم للكافرين وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم القيامة لمعادهم ولهذا قال أن سخط الله عليهم وفسر بذلك ما ذمهم به ثم أخبر عنهم أنهم في العذاب خالدون يعني يوم القيامة، وقوله تعالى (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه ولكن كثيرا منهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 28/ 193 "قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم".
قلت: وربما يكون بعض الأمر الذي عزموا على طاعتهم به في زماننا هو حرب الإرهاب المزعوم أو شجب العمليات الإرهابية.
وقال ابن حزم عن الآية المتقدمة في (الفصل) 3/ 262 "فجعلهم مرتدين كفارًا بعد علمهم الحق، وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم".
وقال القاسمي عن الآية في (تفسير القاسمي) 15/ 56 "ذلك إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم بأنهم أي لسبب أنهم قالوا أي المنافقون للذين كرهوا ما نزل الله أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنطيعكم في بعض الأمر، أي بعض أموركم أو ما تأمرون به".