الصفحة 35 من 2648

الأول، ومقدار القُلَّتين -على الأظهر- خمسمائة رطل بغدادي، وهما: خمس قِرَب، كل قِرْبَة: مائة رطل، قال ابن جريج، فقيه الحرم المكي وإمام الحجاز في عصره:"رأيت قِلالَ هَجَر، والقُلة تَسَعُ قِربَتين، أو قِربَتين وشيئًا". قال الشافعي:"الاحتياط أن تكون القُلَّتان قِربَتين ونصفًَا"، وتُقدَّر بحوالي: (307) لترات [1] ، فهذا هو الماء الكثير، والقليل ما دونهما، ولا يضر النقص اليسير. ولهذا قال: (أو لم يقارب) .

فعلى ما مشى عليه المصنف أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، والقليل ينجس ولو لم يتغير. وهذا قول المتأخرين من علماء الحنابلة، واستدلوا على أنه إذا بلغ قُلَّتين لا ينجس إلا بالتغير بحديث: «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ» [2] ، مع قوله: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحْمِل الخَبَثَ» [3] ، فإن مفهومه: أنَّ ما دون القُلَّتين يحمل الخبث مطلقًا، ولو لم يتغير. هكذا قالوا.

(1) انظر:"الأم"للشافعي (1/ 18) ،"الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان"ص (79) ،"مجموع الفتاوى" (21/ 42) .

(2) أخرجه أبو داود (66) ، والترمذي (66) ، والنسائي (1/ 174) ، وأحمد (17/ 358) ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده عند أحمد وغيره.

(3) أخرجه أبو داود (63) ، والترمذي (67) ، والنسائي (1/ 46، 175) ، وابن ماجه (517) من طريق أبي أسامة حمَّاد بن أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبدالله بن عبدالله ابن عمر، عن أبيه مرفوعًا، ومن طريق أبي أسامة، عن الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر به.

وهذا الحديث مختلف فيه. فقد صححه قوم - وهو الصواب - وضعَّفَه آخرون. ... =

= ... فممن صححه: الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، والطحاوي، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن دقيق العيد، والعلائي في جزء ألَّفه فيه -وهو مطبوع- وعبد الحق الأشبيلي، قال الخطابي في"معالم السنن" (1/ 58) :"كفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المُعَوَّل في هذا الباب".

وممن ضَعَّفه: ابن عبد البر في"التمهيد" (1/ 329) ، وابن العربي في"العارضة" (1/ 84) وفي"أحكام القرآن" (3/ 1425) ، وسبب ضعفه عندهم: الاضطراب في سنده ومتنه.

أما اضطرابه في سنده: فإن مداره على الوليد بن كثير المخزومي، وهو صدوق -كما في التقريب- وهو يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر.

وأما اضطرابه في المتن: فقد روي فيه: «إذا بلغ الماء قُلَّتين» ، وروي: «إذا كان الماء قدر قُلّتين أو ثلاث لم ينجسه شيء» ، وروي: «أربعين قُلَّة ... » .

والجواب عن ذلك: أما اضطراب سنده، فمن أهل العلم من رجَّح رواية محمد بن جعفر بن الزبير، ومنهم من رجّح رواية محمد بن عباد بن جعفر، ومنهم من سلك مسلك الجمع -وهو الصحيح- فقالوا: كلاهما ثقة محتج بهما في الصحيحين، وكذا الراوي عنهما وهو الوليد بن كثير، فالحديث كيفما دار كان بخبر ثقة، والراوي الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا، وروى الحديث على الوجهين المختلف فيهما، كان صحيحًا. فكان أبو أسامة مرة يُحدِّث به عن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومرة يُحَدِّث به عن الوليد، عن محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر رواه عن عبدالله، وعبيد الله ابني عبدالله بن عمر، ومحمد ابن عباد رواه عن عبدالله بن عبدالله بن عمر .

وأما ما قيل من اضطراب متنه بلفظ: «قُلَّتين أو ثلاثًا» فهو من رواية حمّاد بن سلمة، وهو وإن كان ثقة إلا أنه تغير في آخر عمره. وهذا الاختلاف منه، فتكون رواية من رواه بدون قوله: «ثلاثًا» أولى بالصواب، لأنها رواية الأحفظ، ولأنها موافقة لرواية أبي أسامة، عن الوليد، وأما رواية الأربعين، فليست من هذا الحديث بشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت