لي أن أفسخ عهدكم بعد أن أعلمكم بسنةٍ، أو نحو ذلك، وذهب بعضهم إلى أنَّ كلَّ عهدٍ لم يُحدَّد بمدّةٍ مُدَّته أربعةُ أشهرٍ لقوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) لأنَّ الله ضربه أجلًا لعهود جميع الكُفَّار الذين أُنهيَت عهودهم في الآية.
وكلا الصورتين السابقتين للمهادنة، غير التي وقعت بين الحكومة السعودية ومثيلاتها، وأمريكا وأخواتِها، وهي المهادنة المؤبّدةُ، المشروطة إلى أبدِ أبد، وهذه الصُّورة من الضلال المبين، والرِّدَّة عن الدين، كما قال أبو عبد الله أسامة: "من زعم أن هناك سلامًا دائمًا بيننا وبين اليهود فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم"، ووجهُ ذلكَ أنَّه من التَّعاهد على إبطال حكمٍ لله بالكلِّيَّة، والتنصُّل منه، وسواءٌ من جهة إنكار الحكم الشرعيِّ: من تعهَّد أو حلف أن لا يصوم رمضان ولا يحجَّ البيت حتى يموت، ومن تعهّد أن لا يُقاتل الكفَّار أو قومًا منهم حتّى يموت، والمخالف - إن كان في المسلمين من يخالف في هذه الصورة - إمَّا أن يزعم أنَّ القتال واجبٌ يجوز تركه لعهد مع الكفَّار ومعاهدتهم على هذا الترك لأبدٍ فيسقط وجوبُه، وإمَّا أن ينكر وجوب قتال الكفَّار، وكلاهما كفرٌ، كما أنَّ هذا العهد ترك لالتزام حكمٍ شرعيٍّ واجبٍ من الله، وترك التزام أحكام الله كلّها أو بعضها كفرٌ، والتلفُّظ بجحودها كفرٌ ثانٍ، واعتبار شرعيِّتها تبعًا لالتزام شريعة المشرِّع الطَّاغوتيِّ لهم (الشرعيَّة الدوليَّة) كفر ثالث، وكون ذلك طاعةً للكافرين كفرٌ رابع، كما حكم الله بكفر الذين قالوا للكفار سنطيعكم في بعض الأمر.
والعجيب أنَّ المجيبين على السُّؤال نقلوا في تعريفهم العهد، ما يبطل تسميتهم الأمريكان معاهدين، وينقضها بما بُيِّن أعلاه في شروط مدّة العهد فقالوا: "والعهد هو عقد بين المسلمين وأهل الحرب على ترك القتال مدّةً معلومةً"، ولا أدري هل يفهمون معنى ما نقلوه ويظنُّون أنَّ العهد الواقع اليوم مشروطٌ بمدة معلومة؟ أم يعلمونَ حال العهود اليوم، ولا يفهمون أن ما نقلوه مخالفً لها؟
فهذا الكلام في مدة العهد، وأمَّا مشرِّع العهد، فالمسلمون مأمورون بحكم الله الشرعيِّ أن يُقاتلوا الكفَّار، ومعلومٌ أن حكم الله لا يُعارَض بحكم غيره وهواهُ، فليس للمسلمين ترك القتال الواجب شرعًا، إلاَّ برخصةٍ شرعيَّةٍ، وحكمٍ من الله الذي أمرهم بالقتال، والله قد جوَّز لهم العهدَ، فمتى أخذ المسلمون بالعهد الذي جوّزه الله لهم، كانوا مطيعين لله ممتثلين أمره، وبهذا الوجه لا غيره يصحُّ العهدُ، ومعلومٌ أنَّ كلَّ مسلمٍ إنَّما يُمضي عهوده على هذا، وعليه يجب حملها، ولكنَّا وجدنا عهود هؤلاء على غير ما ذُكر، فإنَّهم يتّفقون في عهودهم على شرعيَّة الأمم المتحدة، وعهودهم كلها فرعٌ على دخولهم لهذه الأمم المتّحدة، وانتمائهم لحلفها الطاغوتيِّ، الّذي لا يُبنى على اختيار من كل متعاهد، بل هو إلزامٌ من الأمم المتحدة التي اصطلحوا على إعطائها قوةً تشريعيَّةً تُحرِّمُ وتُجرِّم، وتنهى وتأمر، ويحقُّ لهم مُقاتلة من أبى الدخول فيها، والتوقيع على بنودها الكفريَّة، ومن أهونها كفرًا اتفاقهم على عدم التفريق بين مسلم وكافر، وعلى إنكار أمور معلومةٍ من الدين بالضرورةِ، بل وعدّها من الجرائم المتفق عليها بينهم، كالإرهاب الذي يُدخلون فيه قتال المسلمين للكُفَّار لسببٍ دينيٍّ، وغيره؛ فالعهد هذا، لا يعصم دمَ المُعاهَد من الكُفَّار، بل يهدر وربِّك دم من عاهدَ من المنتسبين للإسلام المعصومين بحرمته قبل دخول العهد.
فالعهد يستند قانونيًّا إلى الطاغوت، ويستمدُّ شرعيَّته من الطَّاغوت، ويُتحاكم فيه عند النزاع إلى الطاغوت، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى.
وأمَّا لوازم هذا العهد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ"، والتحقيق في معنى هذا الحديث والله أعلم: أنَّ كلَّ شرطٍ استلزم بالوضعِ ما يُخالفُ الشَّرعَ شرطٌ باطلٌ، ومنهُ التأجير المنتهي بالتمليك بصورته الموجودة كما قُرِّر وحُرِّر في غير هذا الموضع .