وأمَّا الاعتبارات التي ذكروها:
فالأوّل: وهو "أن أهل العلم قد نصوا على حالات يحرم فيها القتال، وذلك إذا أدى إلى ضرر بليغ بالمسلمين"، فليس من محلِّ النِّزاع في شيءٍ، إذ المخالف لا يقول إنَّ العلماء لا يجوز لهم أن يحرّموا شيئًا من صور القتال لمفسدته، وإنَّما يقول، إنَّهم إذا حرّموه للمفسدة، لم يكن لهم أن يثرّبوا على من خالفهم في تقدير المصلحة والمفسدة، حيثُ لا نصَّ، ولا مفسدة محضة تتبيَّن بظهورٍ قاطعٍ لكلِّ ناظرٍ، بلا معارضٍ لها من المصالح.
وأمَّا الثَّاني: فلم يقتحم عينيَّ جهلٌ أقبح منه! فإنَّهم يتوهّمون أنَّ كلَّ مستدلٍّ لفعل يستدلُّ بمصلحةٍ، وكلّ مستدلٍّ لمنعٍ يستدلُّ لمفسدةٍ، وهذا وإن كان صحيحًا في المآل إذ الأحكام الشَّرعيَّة أمارات على المصالح الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنَّه لا يصحُّ في هذا الموضع، إذ المراد فيه الاستدلال بالمصلحة والمفسدة التي يُقدّرها النَّاظر لا التي يرشد إليها النّصُّ فتلك لا تسمّى مصلحةً على هذا الاصطلاح.
كما أنّهم توهّموا أنَّ كلًا من المختلفين مطالبٌ بالدّليل على السَّواء، وكأنَّ المسائل ليس فيها أصلٌ يرجع عليه، ويتّفق عليه، ويُطالب النَّاقل عنه بإقامة دليلهِ، فلا فرق عندهم بين المتمسِّك بالأصل، والمدَّعي النَّقلَ عنهُ.
فللوهَمَين المذكورَينِ: زعموا أنَّ مخالفهم يفعل العمليَّات مستدلاًّ بمصلحةٍ، كما هم يمنعونها مستندين إلى مفسدةٍ، ورأوا أنَّهم وإيَّاهُ على السَّواء في الاستدلال.
والحالُ أنَّهم هم من اعترض على الحكم، المستدلِّ له بالأدلَّة المُكتفى بها عن البحث عن مصلحةٍ مستنبطةٍ، اعترضوا عليه بذكر مفسدةٍ، فالمخالف لم يبن دليله على مصلحةٍِ مجرّدةٍ قام بالعمليَّةِ لأجلها.
وأمَّا الاعتبار الثالث: فحقٌّ على الإجمال، وهم من خالفه، فاستدلُّوا بمفاسد ألغى الشرع اعتبارها على التّحريم، وقصروا نظرهم على ناسٍ من المسلمين، ومجالاتٍ من المجالات، كما خاض الخائض منهم في تقدير المصالح والمفاسد في الجهاد عن غير بصرٍ ومعرفةٍ به أو خبرةٍ وممارسةٍ، وخالفوا كلَّ ما رأيتَ أعلاه من ضوابط المفسدة المعتبرة التي لا أحسبهم يُنازعون في كونها ضوابط معتبرةً شرعًا.
وأمَّا قولهم: ولا يكاد يُنازع أحدٌ من أهل العلم في مفسدةِ ما حدثَ، فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأوَّل: أنَّ الأمر بالجهاد موجِبٌ صحيحٌ، وسببٌ مستقلٌّ للقيام بالتَّفجيرات، ولم يذكر المنازعون مفسدةً معتبرةً البتّة تُقاوِم هذا الأمر وتدفعه، وكلُّ ما أوردوا سبق الجواب عنه وبيان فساد اعتباره شرعًا، وقد قال الله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) ، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) .
الوجه الثاني: أنَّ هذه العمليَّة ليست بيضة ديك، بل هي حلقةٌ في سلسلة، وغارةٌ في معركةٍ مستمرَّة، وهذه المعركةُ فُرضت على المسلمينَ، ومصلحتها متيقّنةٌ، لتيقُّن أنَّها فرضٌ شرعيٌّ على المسلمين، والمصَالح كلها في امتثال أحكام الشرع،