فهذه طائفة من الأحاديث النبوية التي جاء فيها ذكر الجماعة، فإذا استثنينا النصوص المشابهة للحديث الأول والمتعلق بالعبادات كما هو شأن الصلاة، وجدنا أن مفهوم الجماعة فيما سواها يدور حول معنيين اثنين:
الأول: الاجتماع على الأصول الثابتة الصحيحة من الدين، فهو اجتماع معنوي يفيد التزام منهج الحق ولزوم طريق الكتاب والسنة وأصول الدين الصحيحة.
الثاني: الاجتماع ضمن كيان سياسي يقوم عليه الأمير أو الإمام أو الحاكم، ويقصد منه الحفاظ على الوجود الحسي للمسلمين الذي يضمن للأمة سلامة وجودها وحقن دمائها بمنع الهرج والفتنة والضياع.
ومن الواضح أن هناك توافقًا بين هذين المعنيين وبين المعاني التي عرضناها من القرآن الكريم، فالاجتماع إما أن يكون حسيًا وإما أن يكون معنويًا، ولسوف نقرر لاحقًا أيهما المقصود بمفهوم الجماعة حينما يطلق اصطلاحًا شرعيًا.
هذا وقد تعددت مقالات أهل العلم في بيان مفهوم الجماعة المسلمة، يقول الإمام الشاطبي بعد أن سرد جملةً من الأحاديث المتعلقة بالجماعة أن أقوال الناس في معنى الجماعة المرادة خمسة هي:
أولًا: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام: ومثال ذلك قول أبي مسعود الأنصاري لما سئل عن الفتنة مقتل عثمان رضي الله عنه فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر. اهـ. ثم قال الشاطبي: فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة ولم يدخلوا في سوادهم بحال. [1] قلت: إن معنى كلام الشاطبي وما نقله عن بعض السلف يفيد بأن المقصود بالسواد الأعظم من المسلمين ليس مجرد الاجتماع الحسي لكثرتهم وإنما الاجتماع الحسي على صفة معينة من وجود إمام وأهل علم والتزام بالشريعة، فليتبنه.
ثانيًا: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين: وعليه فمن خرج عما عليه علماء الأمة فهو خارج عن الجماعة وميتته على ذلك ميتة جاهلية. وذكر الإمام الشاطبي من الأدلة على هذا القول حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة" [2] ، وذكر من أصحاب هذا القول عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وقيل لعبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر - فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد - فقيل: هؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري. [3]
(1) الاعتصام - الشاطبي - 517 - 518
(2) سنن الترمذي - كتاب الفتن، وصححه الألباني في صحيح الترمذي
(3) الاعتصام - الشاطبي - 518 بتصرف