الصفحة 18 من 19

الجماعة الوارد في النصوص الشرعية إنما هو في الخلافة والاجتماع على إمام وهذا مع أنه صحيح قطعًا لا يمنع من إقامة تجمعات عملية تسعى إلى تحقيق هذا المفهوم لا إلى استبداله أو منافسته، يقول الدكتور صلاح الصاوي:"من التقصير البين في تحديد المقصود بهذه الجماعة ما ذهب إليه بعض الناس من عدم شرعية هذه التجمعات ابتداءً إلا بعد التمكين ونصب الإمام، وهؤلاء إن كان مقصودهم أن الجماعة المرادة في النصوص هي جماعة الخلافة فذاك، ولكن هذا لا يعني تحريم التعاون على البر والتقوى والتعاقد على ذلك" [1]

ثالثًا: عدم التفريق بين مقام الهجر ومقام المداراة والتألف مع أهل البدع والفرق والمخالفة:

إن المبالغة في ترجيح الجانب العلمي على الجانب العملي في مفهوم الجماعة دون نظر إلى واقع الزمان والمكان وطبيعة المصالح الشرعية في مرحلة من المراحل يؤدي بالبعض إلى الحدية في تطبيق هجر الفرق المخالفة والبدعية الخارجة عن منهج أهل السنة والجماعة، في حين أن طبيعة المشهد السياسي قد لا تتوافق مع تحقيق المراد من هذا الهجر - ألا وهو الزجر عن المعصية والبدعة - وقد تضر بالكيان الحسي للأمة عندما تتهددها أخطار خارجية، فتكون حدية التمسك بالمنهج العلمي وهجر المخالف مفضية إلى تفتيت حصن الاجتماع السياسي الذي يحمي ويقي جماعة الحق القليلة في جملة ما يحميه من سواد المسلمين، فيعود هذا التمسك الحدي بهجر المخالف بنقيض المقصود من حفظ الدين، إذ أن المنهج العلمي مهما كان صافيًا لا بد له من شوكة تحميه كما تقدم. كما أن من الأسباب المفضية إلى هذا اللون من التفريط نسبة كل أشكال التجمعات الإسلامية المعاصرة إلى البدعة والفرقة وهذا غير صحيح لأن كثيرًا منها يقوم على الالتزام المجمل بمعتقد أهل السنة وإن الفروق بين كثير منها فروق اجتهادية في قضايا عملية لا تفضي إلى التبديع كما يزعم هؤلاء، يقول الدكتور صلاح الصاوي:"وما يذهب إليه آخرون من رفض أي نوع من أنواع التعاون أو التقارب لإقامة الجماعة مع المخالفين لهم في بعض الاجتهادات تعللًا بما أثر عن بعض أهل العلم من هجر أهل البدع والإنكار عليهم، وقد فات هؤلاء أن تجمعات العمل الإسلامي المعاصر لا تصنف في عداد الفرق الضالة لالتزامها المجمل بالسنة وبراءتها المجملة مما يخالفها [2] ، وأن أهل البدع أنفسهم تتفاوت معاملتهم عند أهل السنة من الهجر والمجافاة إلى التأليف والمداراة بحسب المصلحة أو المفسدة المترتبة على هذا أو ذاك" [3]

وبعد فهذه بعض مظاهر الإفراط والتفريط في مفهوم الجماعة، أشرنا إليها إشارات سريعة وإن كانت تستحق مزيد تفصيل ودراسة إذ إني لا أبالغ إذا قلت إن دراسة هذه المسائل من أهم متطلبات الصحوة والنهضة والإسلامية المعاصرة.

(1) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي- 147

(2) قلت: وهذا لا ينطبق على كل التجمعات كما هو معلوم ومشاهد، فينزل الكلام على التجمعات التي ينطبق عليها هذا الوصف

(3) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي- 147

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت