أما كيفية تحقيق هذا الالتزام فيكون بالالتزام المجمل بعقيدة الإسلام وشريعته والترك المجمل لأصول الفرق الضالة والمبتدعة، وتكون مخالفة هذا الالتزام بمفارقة منهج السنة والالتفاف حول أصل بدعي يكون به مفارقًا لمنهج السنة وإن التزم بمتابعة الإمام وأقام على بيعته. [1] وهذا واضح جدًا في حديث حذيفة المتقدم حيث قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [2] ، وقد أشار بعض المفسرين - كابن حجر - إلى أن المراد بالعض على أصل الشجرة ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم من العض بالنواجذ على السنة [3] ، وهذا - مع غياب الإمام - دليل على لزوم اتباع منهج السنة العلمي مهما كان الأمر ومهما كانت الظروف."
ويتفرع على هذا الأصل أصل آخر وهو لزوم جماعة أهل الحل والعقد إذا انتظم عقدها واجتمع أمرها في بلدٍ من البلاد [4] ، أي في حال ما إذا شغر الزمان عن الإمام، وسبب لزوم ذلك هو أنه مع غياب الإمام يصبح اتباع هؤلاء طريق متعين لإقامة الدين والسعي نحو إعادة كيان الجماعة الحسي العملي من خلال الحفاظ على المنهج العلمي العقدي.
والمقصود هنا أنه إذا اجتماع الناس على إمام يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويقوم بمهمة الخلافة التي هي"حراسة الدين وسياسة الدنيا به" [5] فإنه يلزم كل واحد من المسلمين أن يلتزم بطاعة هذا الإمام في غير معصية كما جاء في حديث العرباض بن سارية حيث قال صلى الله عليه وسلم:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا" [6] ، وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية" [7] ،وقال الإمام أحمد في أصول السنة:"والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن عَلِيَهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين" [8] ، وهنا لا بد من تحرير نقطتين اثنتين هما:
1 -المقصود بالاجتماع هاهنا التزام الكيان السياسي أو"الدولة"الإسلامية التي تكون رايتها في مقابل راية البغي والتفرق والتشرذم بغض النظر عما قد يكون فيها وفي الإمام من مخالفات جزئية أو فسق أو ظلم طالما أنه يحكم بالكتاب والسنة ويقيم ما من شأن الإمام أن يقيمه من تأمين الثغور وإقامة الحدود وإمضاء الجهاد ونحوه من مسائل الولاية الشرعية.
2 -أن الأصل أن تجتمع وتتمثل الهوية العقدية السليمة في الإمام الحاكم والمقيم لهذا الكيان السياسي، ولكن إن افترق هذان المساران كان الضابط في تحقيق الهوية الإسلامية للإمام والدولة هو تحقق عقد الإيمان المجمل، أي أن يصح أن يطلق عليه أنه مسلم شرعًا، وهذا
(1) المرجع السابق - بتصرف
(2) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة
(3) في حديث العرباض بن سارية المشهور وفيه"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"
(4) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر - د. صلاح الصاوي - 144
(5) الأحكام السلطانية - الماوردي - 5
(6) سنن أبي داود - كتاب السنة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، والحديث عند ابن ماجة والترمذي بألفاظ متقاربة
(7) صحيح البخاري - كتاب الفتن
(8) أصول السنة - الإمام أحمد - 80