فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 100

إن المتأمل لبنود هذه الاتفاقية، يجد أن قريشًا قد أحكمت البنود، ولم تدع فيها ثغرة يمكن النفاذ من خلالها، مما يؤكد أنها وُضعت بعد مداولات ومشاورات على نطاق واسع، وشاركت في وضعها عقول مفكرة، امتزجت معها خبرات عديدة، وحبكها ذكاء مفرط .. ولعل ذلك يتضح من خلال استعراض بنود هذه الاتفاقية، التي حوى كل بند فيها عدة جوانب هامة.

ففي عدم الزواج بين الطرفين جانب اجتماعي مهم، فالزواج غالبا ما يؤدي إلى التآلف، والتآخي، والتراحم، والتواصل، والتزاور بين أهل الزوجين، فإذا تم شيء من ذلك، فسيؤدي إلى فشل الحصار، وحتى لا يحدث ذلك نصت الوثيقة على عدم الزواج بين الطرفين.

وجاء النهي عن البيع إليهم، والشراء منهم، وهنا يظهر جانب اقتصادي بالغ الأهمية، فالبيع والشراء عصب الحياة الاقتصادية، ويقوم عليه تبادل المنافع بين بني البشر، فإذا انعدم ذلك التعامل، انهار البناء الاقتصادي، وباتت الحياة الاقتصادية مهددة بالخطر، فيصبح الإنسان مفتقدًا لضروريات الحياة، مما يعرضه إلى الرضوخ والانصياع لأوامر من يملك تلك الضروريات، ومعلوم أثر ذلك على الجماعة والأفراد، فأرادت قريش من ذلك البند تجويع المسلمين، وهذا ما وقع فعلًا، فقد جاء في الصحيح: أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون ورق الشجر والجلود [1] .

وكي يزيد كفار قريش من إحكام الحصار الاقتصادي على المسلمين، وضعوا بندًا يسد الطريق أمام المسلمين في التعامل مع التجار الوافدين من خارج مكة، فكانوا يغالون على المسلمين في السعر حتى لا يدرك الصحابة شيئًا يشترونه، فيرجعون إلى أطفالهم، الذين يَتَضَاغَوْنَ جُوعًا، وليس في أيديهم شيء يعللونهم به، فكان يُسمع بُكاء الأطفال من بعيد [2] . كل هذا التضييق بسبب البند الذي يقول: (ولا يدعوا شيئًا من أسباب الرزق يصل إليهم) ، كما أن هذا البند يفوِّت الحجة على مَن أراد أن يهدي .. شيئًا لأهل الشِّعْب، بحجة أنه لا يبيع وإنما يهدي، وحتى لا تبقى ذريعة، لإيصال الطعام إليهم تحت أي مسمى، وضعت قريش هذا البند.

والبند التالي: (ولا يقبلوا منهم صلحًا) ، يسد الطريق أمام أي خيار آخر سوى تسليم محمد صلى الله عليه و سلم، فلا مجال لأنصاف الحلول عندهم.

أما البند الذي يقضي (بألا تأخذهم بهم رأفة) ، فهو بند يضع قيودًا حتى على العواطف، كي لا يكون للرأفة والرحمة وجود بين أهل الصحيفة تجاه المؤمنين، لأن الرحمة والرأفة قد تقودان إلى فك الحصار، الذي يؤدي بدوره إلى فشل جهود قريش، وهو ما لا تهواه، لذا عملت على إبطال مفعول الرأفة بوضعها لهذا البند في الصحيفة.

وفي (عدم مجالستهم ومخالطتهم وكلامهم) ، سد لثغرة هامة، ربما جاء مِن قِبَلها خطر على المقاطعة، والحصار، لأن المجالسة، والمخالطة، والكلام مع المسلمين يؤدي إلى النقاش، وتبادل الآراء ووجهات النظر،

(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 377، وانظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 129.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 377، وانظر السيرة النبوية للندوي ص 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت