فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 100

والمتتبع لتأريخ الدعوة، يقف على ما تقشعر لذكره الأبدان، ويخفق لسماعه الجنان.

المطلب الثالث: فشل قيادة قريش في المفاوضات

بعد أن أخفقت قيادة قريش في أسلوب الاضطهاد، ولم تجن منه سوى الخسران، إذ كان المسلمون يتزايدون ­كما فشلت من قبل حين استخدمت أسلوب الحرب النفسية­ لجأت إلى أسلوب المفاوضات غير المباشرة، والمباشرة مع النبي صلى الله عليه و سلم.

ـ قيادة قريش تجري مفاوضات غير مباشرة مع أبي طالب:

قررت قيادة قريش أن تبدأ المفاوضات مع عم النبي صلى الله عليه و سلم، باعتباره القائم على حمايته، والدفاع عنه، ضد عدوان قريش .. ذهب إلى أبي طالب وفد من قريش فقالوا له: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفَّه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه .. فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا، وردهم ردًا جميلًا [1] .

ولعل بدء قريش المفاوضات مع أبي طالب، أملته ظروف وملابسات معينة، من أظهرها أن أبا طالب يمثل خط الدفاع الأول عن الرسول صلى الله عليه و سلم، وله فضل على المصطفى، حيث تكفَّل برعايته بعد موت جده عبد المطلب، لذا بدأت قيادة قريش المفاوضات معه، وحاولت التأثير عليه، فإذا خلى أبو طالب بينهم وبين ابن أخيه، فهذا يُمكِّن قريشًا من النبي صلى الله عليه و سلم، فتفعل به ما تشاء، بعد أن يكون قد فقد حماية عمه أبي طالب. وإذا كفَّه عنهم فذلك غاية ما يتمنونه .. وما طلبوا من أبي طالب أن يكف ابن أخيه عنهم، إلا لعلمهم أنه أقرب مَن يمكن أن يكلم الرسول صلى الله عليه و سلم، ويسمع منه، لقربه منه، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث، فردهم أبو طالب ردًا جميلًا، فانصرفوا دون أن يظفروا منه بشيء.

ولكنهم عاودوا الاتصال مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنًا، وشرفًا، ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك على ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.

فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له: يا ابن أخي! إن قومك جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق، فظن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته) .. ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى، ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا [2] .

(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 265.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت