بعد أن خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش، بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحبه للخروج إلى المدينة المنورة [1] ، ولقد صاحب هذا التحرك العديد من جوانب الحيطة والحذر، التي تُظهر مدى الاهتمام البالغ الذي أولاه الرسول صلى الله عليه و سلم لها منذ تحركه من الغار، وحتى وصوله المدينة المنورة. وسوف نحاول استعراض أهم هذه الجوانب التي انطوت عليها تلك الرحلة المباركة.
المطلب الأول: الحذر أثناء السير على طريق الهجرة
صاحب السير على طريق الهجرة، العديدُ من تدابير الحذر والحيطة، من ذلك:
أولًا: التمويه في التحرك من الغار:
أول ما سلك بهم عبد الله بن أريقط، بعد الخروج من الغار، أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا [2] ، وما ذلك إلا إمعانًا في التمويه، ومزيدًا من الحيطة والحذر.
ثانيًا: السرعة في السير عقب الخروج من الغار:
الظروف التي تم فيها التحرك من الغار، كانت تتطلب الإسراع في السير، وقطع المسافة بين مكة والمدينة في أقصر زمن ممكن، فعيون قريش منتشرة، والمطاردة لم تنته بعد، لذا أسرع النبي صلى الله عليه و سلم عقب خروجه من الغار، واستحث رواحلهم لقطع أكبر مسافة ممكنة في أقل زمن ممكن .. روى البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال: (أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عندها) [3] .
فالسير المتواصل ليوم وليلة، يباعد بين ركب الهجرة ومكة، مما يزيد من فرص نجاح الخطة، كما أن الليل يعد من أنسب الأوقات للسفر في الصحراء، إضافة إلى كونه ساترًا يخفي ركب الهجرة المبارك.
ثالثًا: حادثة سراقة وتدخل العناية الإلهية:
بعد كل التحوطات والتخطيط الدقيق المحكم، تمكنت قريش من تلقي معلومة تفيد أن ركب الهجرة يجد في السير تجاه المدينة بطريق الساحل المهجور. قال سراقة: (فبينما أنا جالسٌ في مجلس من مجالس قومي بني
(1) - الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 197.
(2) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 491.
(3) - رواه البخاري ج 1 ص 510 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة.