بعد أن عرضنا للأساليب التي اتخذتها قريش ضد الدعوة الإسلامية، كان لابد من الوقوف على جوانب المواجهة الوقائية، التي تصدت بها الدعوة الإسلامية لتلك الأساليب، والخطوات التي اتبعتها في سبيل الاحتياط واليقظة الأمنية، لتسير بها أمورها في تلك الفترة، وسط الأساليب القاسية التي مارستها قريش ضد المسلمين.
لقد استخدمت القيادة المسلمة في تلك الفترة، عدة أساليب للمواجهة، منها الهجرة إلى الحبشة، وخروج النبي صلى الله عليه و سلم إلى الطائف، وصاحبت كل هذه التحركات إجراءات للحماية، تستلزم الوقوف عندها، وهذا ما نحاول توضيحه من خلال هذا المبحث بإذن الله، وسنتناول كل أسلوب على حدة.
المطلب الأول: جوانب الحماية في الهجرة إلى الحبشة
لما رأى الرسول صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه) . فخرج عند ذلك المسلمون متسللين سرًا [1] .
إن اختيار الحبشة عن سواها، إنما كان لميزات تمتاز بها، وتتطلبها حساسية المرحلة، لعل من أبرزها وجود الملك العادل، الذي لا يظلم عنده أحد .. وهذا العدل، ظهرت أهميته عندما عملت قريش على إرجاع المهاجرين، فقد وجدت أنها لا تستطيع ذلك دون أن يتحرى الملك في أمر هؤلاء، قبل أن يصدر حكمًا بإخراجهم من أرضه، وهذا مما يقتضيه العدل، الذي جعل الملك يسمع حجة الخصم قبل إصدار الحكم، فلو كان الملك ظالمًا جائرًا، لظفرت قريش بما تريد.
ومن ميزات الحبشة، أنها أرض صدق وأرض دين سماوي، فهم أقرب إلى المسلمين من سواهم، فالرسالات السماوية منبعها واحد، وأصولها واحدة، وقد يسهل إقناع هؤلاء بالحق بخلاف أهل الشرك، وهذا ما تم فعلًا، فعندما تلا جعفر رضي الله عنه آيات من الذكر الحكيم على مسامع النجاشي وقساوسته، فاضت أعينهم من الدمع تأثرًا بما سمعوا من القرآن الكريم [2] : (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا من الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) (المائدة: 83 - 85) .
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 322، ومختصر سيرة الرسول، محمد بن عبد الوهاب، ص 81.
(2) - السيرة النبوية لابن حبان، ص 79، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 2 ص 81.